أحدثت الانتفاضة المصرية فراغاً سياسياً أدّى مؤخراً إلى أن يلعب الأزهر دوراﹰ سياسياﹰ ليس جزءاً من عقيدته الأساسية. وقد استمرّ في لعب هذا الدور، لاسيما بسبب الشعبية التي يتمتّع بها الأزهر ناهيك عن غياب الثقة بسياسات الرئيس محمد مرسي. على أن هذا لايمنح الأزهر مسوّغاً للتدخّل في السياسة وعقد الصفقات السياسية. ومع أن الإمام الأكبر أحمد الطيب قدّم، بالتعاون مع مجموعة كبيرة من السياسيين والمفكّرين المصريين، العديد من المبادرات لوضع حد للنزاع الأهلي في مصر، فإنه لم يتحقّق الكثير منها و أثرت على مصداقية المؤسسة عموماً. وقد كان الأزهر موضع ثناء للقائه مع مجموعات متنوّعة من المصريين والتشاور معهم - من قادة أقباط، وإسلاميين، وشخصيات معارضة، ونساء وشباب - وهو ما لم تنجح الحكومة في القيام به. بيد أن هذا المديح ينطوي على موافقة غير مبرّرة على تأدية الأزهر دور سياسي من الأجدى به تجنّبه. يجب ألا يُستخدَم الاحترام والشعبية اللذان تحظى بهما الأزهر ذريعةً للتدخّل في الشؤون السياسية.

عقب سقوط حسني مبارك، اتّخذت قيادة الأزهر خطوات للتحرّر من قبضة النظام وتحكُّمه بها لفترة طويلة. في حزيران/يونيو 2011، أصدر الإمام الأكبر - إلى جانب مجموعة من المفكّرين والسياسيين - ورقة من إحدى عشرة نقطة حول مستقبل مصر عُرِفَت بـ"وثيقة الأزهر". وحدّدت أولويات ما بعد الثورة: التركيز على الحرية والمساواة للجميع، ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإصلاح التعليم، والحد من البطالة، والالتزام بالمعاهدات الدولية. وضغطت الوثيقة أيضاً من أجل استقلال الأزهر عن سيطرة الدولة.

في كانون الثاني/يناير 2012، اصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعجالة قانون ينصّ على تغيير طريقة اختيار الإمام الأكبر للأزهر، فبات يُنتخَب من هيئة مؤلّفة من كبار علماء الأزهر بدلاً من أن يعيّنه رئيس الجمهورية. وبهذا أعيد اعتماد طريقة الاختيار القديمة التي كانت هذه المؤسسة الدينية تطبّقها قبل القرار الذي اتّخذه جمال عبد الناصر بتعيين الإمام الأكبر من قبل الرئيس. لكن القانون أثار جدلاً بسبب عدم تضمّنه بنوداً عملية وملموسة تمنح الأزهر استقلالية سياسية ومالية. وتجاوزت آلية إقراره الإشراف التشريعي، إذ تمّت قبل أيام من انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب المُنتخَب. وكان هناك أيضاً غياب كامل للشفافية بشأن الدوافع التي جعلت المجلس الأعلى للقوات المسلحة يصدر المرسوم؛ ولانزال نجهل حتى الآن ما هي طبيعة الشروط والمعطيات التي أثيرت في المباحثات بين المجلس والإمام الأكبر توصّلاً إلى إقرار القانون المذكور.

على أي حال، فإن روح القانون الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلّحة حول الأزهر تجسّدت في الدستور المصري الذي أُقِرّ مؤخراً. فقد ورد في المادة الرابعة أن الأزهر هو "هيئة إسلامية مستقلة جامعة يختص دون غيره بالقيام على شؤونه كافة". كما تنص المادّة على أن "يؤخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية"، إلا أنها لاتذكر ما هي المؤسسات الحكومية التي يجدر بها التشاور مع الهيئة أو متى يجب القيام بذلك. وإذ تعي الدولة تماماً الدور المهم والنافذ للأزهر، فقد أحتفظت بحق توفير "الاعتمادات المالية الضرورية ليحقّق الأزهر أغراضه"، مما يُبقي الباب مفتوحاً أمام التأثير المستمر من النظام على الأزهر. وعلى غرار العديد من المواد الأخرى في الدستور، تُختتَم المادّة الرابعة بعبارة ملتبسة: "وكل ذلك على النحو الذي ينظّمه القانون"، بما يُتيح إعادة تحديد نص مبهم أصلاً وتقييده بموجب مراسيم تصدر لاحقاً عن الهيئة التشريعية.

الدور الاستشاري الذي يُحدّده الدستور الجديد للأزهر قد يجعله عرضة للتأثيرات من الدولة ومن مجموعة من التفسيرات الإسلامية للشريعة. بيد أن هذه التغييرات تبدو رمزية إزاء تنامي شعبية الدعاة السلفيين الذين قد يتسلّلون في نهاية المطاف إلى قيادة الأزهر ويغيروا من سياساته و ارائه المعتدلة التي عُرِف بها على مر العصور. وربما يقف هذا الأمر كأحد الأسباب التي دفعت المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى إصدار قانون الأزهر الذي يهدف إلى "تمكين" الهيئة، لتشكّل توزاناً في مقابل صعود السلفيين.

بعيداﹰ عن هذه التغييرات البنيوية والقانونية، يواجه الأزهر تحدّيات داخلية نتيجة التفسيرات والتأويلات المختلفة، وتدفق الفتاوى المتطرّفة الصادرة عن دعاة مستقلين غير مدرَّبين وكذلك عن أساتذة في هيئته التعليمية. فعلى سبيل المثال، أثارت الفتوى الصادرة أخيراً عن الأستاذ في جامعة الأزهر، محمود شعبان، إلى اغتيال قادة المعارضة في "جبهة الإنقاذ الوطني" لغطاﹰ شديداﹰ. ويحل شعبان ودعاة آخرون يومياً ضيوفاً على محطات فضائية ذات اتجّاهات سلفية مثل "الناس" و"الرحمة". ففي خضم الصراع الدائر حالياً في مصر، تشكل هذه التصريحات المثيرة للجدل ضربة قوية لقدرة الأزهر على تمثيل الرأي الإسلامي الوسطي، كما تثير علامات استفهام حول منهجيته التعليمية ومناهجه الدراسيه، وقدرته على الوقوف في وجه مثل هذه الآراء الغريبة والشاذّة التي تصدر عن هيئته التعليمية (ومن خارجها).

ما الذي يحمله المستقبل لمؤسسة الأزهر؟ مع أنه لايزال من المبكر تقييم تأثير التغييرات الأخيرة، فيمكننا افتراض بعض السيناريوهات. السيناريو الأول هو أن يُدير الأزهر بحذر وتروٍّ الوضع الجديد الذي بلغه في العامين الماضيين، أي شبه الاستقلالية المذكورة في الدستور. في هذه الحالة، يواصل الأزهر ممارسة "القوة الناعمة" التي تتمحور حول سلطة الإمام الأكبر وشخصه، وستستمر هذه الاستراتيجية على الأرجح ببقاء أحمد الطيب، البالغ من العمر 67 عاماً، في السلطة. بموجب الدستور الجديد، يستطيع الإمام الأكبر البقاء في السلطة حتى بلوغه الثمانين من العمر، ويملك حصانة تحول دون إمكانية إقالته من منصبه.

السيناريو الثاني هو استمرار النظام أو الإسلاميين، أو حتى الاثنين معاً، في استيعاب الأزهر تحت مظلّتهم. أدرك القادة المصريون المعاصرون القوة و الشرعية الكبيرة التي يكتسبوها إذا استمالوا الأزهر إلى جانبهم،  ومع أن الرئيس خسر "امتياز" تعيين الإمام الأكبر، لايزال يحتفظ مع الحكومة بالسيطرة على شؤون الأزهر المالية عن طريق وزارة الأوقاف. لكن، في الوقت نفسه، بإمكان العلماء المحافظين داخل الهيئة ممارسة تأثير كبير أيضاً على الطبيعة المعتدلة التي عُرِف بها الأزهر وقيادته تقليدياً. الأسبوع الماضي، انتخبت هيئة كبار العلماء المفتي الجديد شوقي إبراهيم عبد الكريم علام خلفاً لعلي جمعة المنتهي ولايته. وبحسب مصادر مختلفة، ليست لدى المفتي الجديد أي أيديولوجية سياسية أو انتماء سياسي واضح. وقبل الانتخاب، كانت هناك مخاوف من اختيار عبد الرحمن البر، عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين الذي يُلقَّب "بمفتي" الجماعة. فاختياره كان ليشكّل خطوة أساسية نحو إحكام قبضة الإخوان على الأزهر، وهو ما تتخوّف منه قوى المعارضة والمسلمون الذين لاتعنيهم السياسة، فكلاهما لايريدان رؤية الإسلاميين يحتكرون الحكومة والأزهر.

السيناريو الثالث قد يكون الأصعب بالنسبة إلى الأزهر، ويتمثّل في خوض معركة لاستعادة الاستقلالية التي كان يتمتّع بها على المستويَين الإداري والمالي قبل عهد جمال عبد الناصر. الأمر الذي من شأنه أن يسمح للمؤسسة بالعودة إلى وظيفتها التعليمية الأساسية وعقيدتها الوسطية و التصدّي للتفسيرات المتطرّفة للدين الإسلامي. بيد أن الظروف الراهنة تحول دون تحقّيق ذلك. فيجب قطع شوط طويل لتغيير القوانين الحالية التي تعطّل استقلالية الأزهر، ولاسيما القانون 103 الصادر في العام 1961 الذي وضع الأزهر تحت سلطة وزارة الأوقاف، وما تلته من تشريعات تمنح الحكومة مزيداً من الإشراف عليه. 

في ظل الأجواء السياسية الضبابية، حيث تعاني البلاد من ضعف نظام الحكم وترنح تحت وطأة الجدل و الخلاف حول مستقبل مصر، وجد الأزهر المجال متاحاً أمامه لاستخدام مصداقيته و احترامه في الشارع في لعب دور سياسي قد يكون مغرياً، إلا أنه يجب ألا يشكّل جزءاً من وظيفته الأساسية.

أحمد مرسي طالب دكتوراه في كلية العلاقات الدولية في جامعة سانت أندروز، المملكة المتحدة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.