أدّت الانتفاضة الطويلة وتنامي التشدّد في الشارع السوري، إلى صعود المقاتلين الجهاديين. فخلال الأعوام الأخيرة، ساهم العنف الشرس الذي استخدمه نظام الأسد ضد الاحتجاجات التي بدأت سلمية، في منح زخم لتنظيم "القاعدة" في البلاد. واليوم تحوّلت التظاهرات إلى حرب مذهبية تضع في بعض الحالات "الأمّة السنّية" في مواجهة ما يُسمونه نظام "نُصَيري"، الأمر الذي يشكّل عامل استقطاب قوياً للمقاتلين الجهاديين من الأردن ولبنان وفلسطين المجاورة.

بعد أشهر قليلة من انطلاقة الانتفاضة، بدأ المدوّنون على المواقع الإلكترونية السلفية يطلبون من الفقهاء الجهاديين إصدار فتاوى تتيح لهم الانضمام إلى الحركة الاحتجاجية. وقد نصح الشيخ أبو المنذر الشنقيتي المدوّنين بالانضمام إلى الاحتجاجات شرط تجنّب الدعوة إلى الديمقراطية أو رفع أي شعار علماني آخر. وفي نهاية العام 2011، دعا أسامة الشهابي، أمير "فتح الإسلام" في لبنان، إلى النضال المسلّح في سوريا عبر المنتدى الإلكتروني "شموخ الإسلام".1 وبعد ذلك، نشر الشيخ الشنقيتي فتوى عبر "منبر التوحيد والجهاد" أجاز فيها استعمال العنف ضد نظام الأسد.

في شباط/فبراير 2012، دعا زعيم تنظيم "القاعدة"، أيمن الظواهري، المقاتلين في العراق والأردن ولبنان وتركيا إلى التحرّك دعماً لمَن سمّاهم "إخوانهم في سوريا". وفي الوقت نفسه تقريباً، أصدر الشيخ السلفي أبو محمد الطحاوي فتوى دعا فيها إلى الجهاد في سوريا. وعلّق في مقابلة معه قائلاً: "دعوت كل الرجال القادرين إلى الذهاب للجهاد في سوريا؛ فمسؤولية كل مسلم ملتزم أن يعمل على وقف إراقة الدماء التي يقوم بها النظام النُصَيري".2 وقد ألقت الاستخبارات الأردنية القبض على الطحاوي قبل بضعة أشهر.3

حالياً، يبرز العديد من المجموعات الجهادية إلى الصدارة في الانتفاضة السورية. ففي كانون الثاني/يناير 2012، أعلنت "مؤسسة المنارة البيضاء للإنتاج الإعلامي" عن إنشاء تنظيم جهادي جديد يُدعى "جبهة النصرة" بقيادة أبو محمد الجولاني، الذي يُعتقَد أنه مواطن سوري من مرتفعات الجولان. تستقطب "جبهة النصرة" في شكل خاص المقاتلين الأردنيين الذين يقودون عدداً كبيراً من ألويتها، بحسب الصحافي في جريدة "الحياة"، تامر الصمادي الذي تحدّث عن مقتل مايزيد عن 25 أردنياً خلال القتال إلى جانب "جبهة النصرة" في سوريا.4 وفي حين أنه ليس لجبهة النصرة أي انتماء علني إلى تنظيم القاعدة، منح الجولاني البيعة لأبو حمزة، أحد أمراء "تنظيم القاعدة في دولة العراق الإسلامية". أما الجهاديون الراغبون في الانضمام إلى "جبهة النصرة"، فعليهم الحصول على التزكية، أي كفالة شخصية من قادة الجبهة تضمن التزامهم الديني ومهاراتهم العسكرية. لكن المجموعة تتألف حالياً من بضعة آلاف المقاتلين فقط، أي أنها صغيرة الحجم بالمقارنة مع "الجيش السوري الحر"، الذي يُعتبَر التنظيم الأساسي ويزيد عدد عناصره عن مئة ألف. 

يبدو أن غالبية الجهاديين الذين يقاتلون في سوريا هم من البلدان المجاورة، مثل الأردن والعراق، وبدرجة أقل، لبنان. وفقاً للداعية السلفي اللبناني عمر بكري، هناك أيضاً فِرَق صغيرة من ليبيا وتونس، وكذلك من بلجيكا وفرنسا والسويد، ومعظم عناصرها يتحدّرون من منطقة شمال أفريقيا. وتشير التقديرات، استناداً إلى مقابلات مع مصادر لبنانية وفلسطينية وأردنية،5 إلى أن مئة مقاتل لبناني تقريباً يشاركون في النزاع في سوريا، فضلاً عن نحو 40 إلى 80 فلسطينياً من المخيمات الفلسطينية في لبنان. ليسوا جميعهم جهاديين، فبعضهم ذهبوا إلى سوريا بسبب الروابط العائلية التي تجمعهم بأُسَر سورية أو كرههم لنظام الأسد الذي احتلّ لبنان لما يزيد عن 19 عاماً. وقد لفت تامر الصمادي إلى أن حوالى 300 أردني يخوضون الآن الجهاد في سوريا، مع العلم بأنه ليست هناك بيانات تشير إلى النسبة المئوية التي يشكّلونها بين المقاتلين الأجانب.

ينتمي الجهاديون القادمون من لبنان إلى جيل جديد. قال الشيخ السلفي نبيل رحيم من طرابلس: "معظمهم شباب تتراوح أعمارهم من 17 عاماً إلى أواخر العشرينات من العمر، ومعلوماتهم الإسلامية والعسكرية ضئيلة جداً". هذا ويعمد المقاتلون أنفسهم إلى تجنيد مقاتلين جدد، كما حصل مع مالك حاج ديب وعبد الحكيم حاج ديب اللذين جنّدهما حسان سرور الذي كان يقاتل مع كتيبة فاروق، كما يروي أفراد من العائلة. تقول مصادر سلفية في طرابلس، التي تشكّل معقلاً لواحدة من أكبر المجموعات السلفية في لبنان، إن الأئمة السوريين يشجّعون أيضاً شباب المدينة على الانضمام إلى النزاع.

ويبدو أن هذه النزعة موجودة أيضاً داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، ولاسيما عين الحلوة وبرج البراجنة وشاتيلا. فقد أوردت مصادر أن أعضاء سابقين في "كتائب عبدالله عزام" و"فتح الإسلام" و"جند الشام"، وكذلك بعض العناصر الذين كانوا ينتمون سابقاً إلى "عصبة الأنصار" و"حركة الجهاد الإسلامي"، توزّعوا على خمسة فصائل يتألّف كلٌّ منها من 25 عنصراً. تتدرّب هذه المجموعات حالياً في منطقة البساتين بواسطة الأسلحة الخفيفة إلى المتوسّطة. وقد انشقّ عدد كبير من هؤلاء المقاتلين عن "عصبة الأنصار" و"حركة الجهاد الإسلامي" مؤخراً، اعتراضاً منهم على "الاعتدال" المستجدّ لدى المجموعتَين وتعاونهما مع "الكفّار"، في إشارة إلى الجيش اللبناني وأجهزة الاستخبارات اللبنانية.

سيساهم اجتذابُ النزاع السوري مزيداً من المقاتلين من مختلف أنحاء المنطقة في نشر مخطّط القاعدة الإقليمي، الذي بقي هدفه كما هو ولم يُغيِّره الربيع العربي: خوض الجهاد في كل "الدول الكافرة". وبغضّ النظر عما إذا كان تنظيم القاعدة يملك الوسائل الفعلية أو العدد الكافي من الأتباع لتحقيق هذا الهدف، فإن اكتساب الجهاد طابعاً معولماً أكثر فأكثر قد يؤدّي إلى زعزعة استقرار البلدان الهشة، وهو الأمر الذي يثير المخاوف في أرجاء المنطقة.

منى العلمي صحافية فرنسية-لبنانية تغطّي التطورات في مجالَي الأعمال والسياسة في الشرق الأوسط. تركّز حالياً على المجموعات السلفية في المنطقة.

1 مصدر خاص.

2 مقابلة مع الكاتبة.

3 مصدر خاص.

4 مقابلة مع الكاتبة.

5 مقابلة مع الكاتبة.