ترقّب كثرٌ تحسيناً في حقوق المرأة في مجال العمل بعد الانتفاضة في مصر؛ لكن على النقيض من ذلك تماماً بدلاً من دفع الأمور نحو الأمام، تشهد المرحلة الانتقالية خروج المزيد من النساء من إطار القوى العاملة. 

فضلاً عن ذلك، في حين أن عدداً كبيراً من الأبحاث يتحدّث عن المنافع التي تترتّب عن تنوّع القوة العاملة بين النساء والرجال، تتعرَّض المرأة في مصر إلى التهميش على مختلف الأصعدة في مجال العمل.

تسجّل مصر أداء سيئاً باستمرار في "التقرير العالمي للفجوة بين الجنسَين" الصادر عن "المنتدى الاقتصادي العالمي"، حيث احتلّت المرتبة 126 من أصل 135 بلداً في العام 2012. فثمة تفاوت بين التحصيل العلمي للنساء وبين مشاركتهن في القوة العاملة: نسبة الإناث إلى الذكور متكافئة عملياً من المرحلة الابتدائية وصولاً إلى المرحلة الثانوية، حيث تبلغ 0.97 و0.96 على التوالي (كلما اقتربت النسبة أكثر من الرقم 1، كان ذلك مؤشراً عن وجود تكافؤ أكبر بين الجنسَين). ونسبة الإناث إلى الذكور في الجامعات أقل بقليل، مع 0.91. أما نسبة المشاركة في القوة العاملة فتتراجع إلى حد كبير لتصل إلى 0.30، مقارنةً بـ0.68 عالمياً. وفي حين أن هذه اللامساواة في المشاركة في القوة العاملة تعود في جزء منها إلى خيارات النساء الشخصية، تُحرَم نساء كثيرات من اللواتي يبحثن عن عمل، من فرصة الحصول على وظيفة. كما تصل نسبة البطالة لدى النساء في مصر إلى 23 في المئة، أي حوالي ضعف المعدّل الإجمالي.

المعايير الثقافية هي من الأسباب التي تقف وراء سوء تمثيل النساء في القوة العاملة. ويلفت "المركز المصري لحقوق المرأة"، إلى أن النظرة التي تعتبر أن النساء يعانين من الهشاشة، ويضعفن تحت تأثير الضغوط، وأنهن غير جديرات بالثقة، ويفتقرن إلى الإخلاص والولاء، تزيد من عزلة السيدات الراغبات في خوض غمار العمل. والخوف من احتمال ترك النساء للعمل عند تأسيس عائلة هو من العوامل الأخرى التي تقف وراء التمييز في مكان العمل؛ فبما أن الرجال لايتقاسمون في شكل عام مع النساء المسؤولية الاجتماعية المترتّبة عن تربية الأولاد، تتعرّض المرأة إلى الإقصاء من القوة العاملة في مرحلة باكرة من مسيرتها المهنية، مايحدّ من الفرص المتاحة أمامها من أجل تطوير رصيدها المهني.

الإطار التشريعي المجحف وغير الفعال هو من الأسباب الأخرى التي تقف خلف سوء تمثيل المرأة في القوة العاملة. ففي حين أن القانون المصري ينص على إعطاء المرأة إجازة أمومة مدفوعة لمدّة 90 يوماً في الإنجاب الأول ثم الثاني، نادراً مايُطبَّق هذا البند. وغالباً ماتجد الشركات طرقاً لتفادي ترقية النساء، حتى أن بعض الأعمال تتذرّع بأن عامل الالتباس الذي يُحيط باستخدام النساء يؤثّر سلباً في الاستثمار.

تُظهر مجموعة متزايدة من الأبحاث، على غرار دراسة أجرتها "مؤسسة التمويل الدولية" في العام 2011، أن التنويع بين الجنسَين في مجال العمل يساعد على زيادة الرضى لدى العملاء والموظّفين على السواء، ويساهم في الارتقاء بقيمة العلامة التجارية للشركة وصورتها، كما يُعزّز قاعدة المعارف في الشركة. وقد ذهبت بعض الدراسات أبعد من المساهمة الاقتصادية البحتة التي يؤمّنها هذا التنويع في القوة العاملة، وتطرّقت إلى إسهام النساء العاملات في بناء مجتمعات أفضل. فقد ورد في مقال صدر مؤخراً في مجلة "فوربس" أن النساء اللواتي يملكن أعمالاً، لديهنّ ميلٌ أكبر إلى إعادة استثمار الأرباح في الخير العام، في مجالات مثل التعليم، والأسرة، والمجتمعات المحلية.

لكن للأسف، بدلاً من تعزيز حقوق المرأة في العمل، تسير مصر في الاتّجاه المعاكس في العامين الأخيرين. ويؤدّي تزايد التحرّش والعنف الجنسي بعد الثورة، دوراً في هذا التراجع. فخلال المسيرة التي نُظِّمت لمناسبة اليوم العالمي للمرأة في ميدان التحرير في العام 2011، اقتيدت بعض النساء إلى مكان منعزل وتعرّضن إلى الاعتداء الجنسي. ولاحقاً، أقرّ عدد من المرتكبين بأنهم تقاضواً أموالاً مقابل أفعالهم، ماأثار المخاوف من وجود لعبة سياسية مشبوهة. وقد أورد مركز الأمم المتحدة للإعلام في القاهرة أن العاصمة المصرية تحتل المرتبة الثانية بين المدن الأسوأ في العالم في مجال التحرّش الجنسي، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الحالات لايتم التبليغ عنها. فضلاً عن ذلك، لايتضمّن الدستور المصري الجديد آليات محدّدة لحماية النساء. وتنص القوانين على منح المرأة المساواة في مختلف الميادين، بما في ذلك الميدان الاقتصادي، شريطة ألا يشكّل ذلك انتهاكاً للشريعة الإسلامية، الأمر الذي من شأنه أن يُشرِّع الأبواب أمام تأويلات متعدّدة.

كما يلفت مركز الأمم المتحدة للإعلام في القاهرة، إلى أن التحرّش لايُميّز بين امرأة وأخرى، بل يمكن أن تتعرّض له أية امرأة في أي مكان، في الشارع كما في مكان العمل. وقد ذكرت 80 في المئة من النساء اللواتي استطلعت الأمم المتحدة آراءهن في القاهرة، أنهن تعرّضن إلى التحرّش، وقالت بعضهن إنهن يتعرّضن إلى هذه الممارسات بصورة يومية. لايمكن التقليل من شأن التأثير الاقتصادي والاجتماعي لهذا الأمر؛ فقد قالت المجيبات إنهن يشعرن بالإذلال والقرف، ويفضّلن ملازمة المنزل وتجنّب الأماكن العامة. وتُضطرّ كثيرات إلى ترك عملهنّ أو يخسرنه بسبب التغيّب لأيام عدّة بداعي المرض. وتحتل المنطقة العربية المرتبة ماقبل الأخيرة في مجال مشاركة النساء في القوة العاملة. والتحرّش الجنسي المنتشر على نطاق واسع يزيد الوضع سوءاً.

في هذا الإطار، لابد من أن تستند أيّة محاولة حقيقية لتعزيز مكانة النساء، إلى التشريع. لقد عمدت بلدان عدّة خارج المنطقة إلى تحديد كوتا للنساء؛ وكانت النرويج في الطليعة في العام 2003 عبر فرض كوتا على 500 شركة بمايضمن حصول النساء على 40 في المئة على الأقل من المقاعد في مجالس الإدارة. وفي العقد التالي، تمكّنت النرويج من زيادة هذه الحصّة إلى 45 في المئة، بعدما كانت 6 في المئة في العام 2001 (مايوازي تقريباً النسبة الحالية في مصر). وسارت إسبانيا وفرنسا وإيطاليا على خطاها مع اختلاف الأهداف والمعايير بين بلد وآخر، في حين يعمل العديد من البلدان الأوروبية حالياً على إقرار قوانين مماثلة. أما المطالبون بتحديد كوتا للنساء في مصر، فيسعون في البداية إلى حصة أكثر تواضعاً تبلغ 20 في المئة، مع اعتماد المقاربة التدريجية كما فعلت فرنسا.

سبق أن اختبرت مصر الكوتا في الميدان السياسي، مع تخصيص نسبة 10 في المئة من المقاعد البرلمانية للنساء، ثم زادتها إلى 12.5 في المئة في آخر انتخابات في عهد مبارك. وفي الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، استُبدِل نظام الكوتا بفرض ترشيح امرأة واحدة على الأقل على القوائم الانتخابية لكل من الأحزاب السياسية. لكن بما أن قلّة من الأحزاب وضعت النساء في رأس قوائمها، كانت حظوظهن ضئيلة بالفوز في أول انتخابات أجريت بعد الثورة. فبعدما كانت النساء تشغلن 64 مقعداً في مجلس الشعب قبل سقوط مبارك، فازت ثماني نساء فقط في الانتخابات التي أجريت قبل عام لاختيار أعضاء مجلس الشعب المؤلّف من 508 مقاعد. وليست هناك أية مؤشرات تُظهر بأن الإجراءات الانتخابية ستكون مختلفة خلال الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها قريباً لاختيار مجلس جديد (بات يُعرَف الآن بمجلس النواب بدلاً من مجلس الشعب). وإلى جانب انعدام المساواة في الهيئة التشريعية، يتراجع تمثيل النساء أيضاً في السلطة التنفيذية. فحكومة رئيس الوزراء الحالي هشام قنديل تضم امرأة واحدة فقط (كانت هناك أربع وزيرات في عهد مبارك).

وتخشى بعض النساء أيضاً أن يواجهن نظرة دونية تربط ارتقاءهن إلى مناصب معيّنة بالكوتا وليس بالكفاءة. بيد أن الانطلاق من الكوتا، كإجراء مؤقّت، يساعد على الأقل على تحقيق المساواة في الفرص. فالمادّة الرابعة من اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي أُقرَّت في العام 1979، ومصر من الدول الموقِّعة عليها، تدعم اعتماد "تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة".

ويمكن إقرار تشريعات أخرى لتطبيق قوانين مناهضة التمييز. الرجل والمرأة متساويان بموجب الدستور المصري؛ لكن لازال يجب إقرار قانون المساواة في الأجر الذي من شأنه أن ينصّ على منع التمييز عند دخول سوق العمل، وفي المناصب والمراتب الوظيفية، وفي جداول الأجور والرواتب. يجب أن يُفرَض على الشركات الاحتفاظ بسجلات أفضل عن عملية التوظيف، وأن تتمكّن من إقامة الدليل على غياب التمييز في مكان العمل.

فضلاً عن ذلك، يمكن أن تشمل السياسات الهادفة إلى الحؤول دون انسحاب النساء باكراً من القوة العاملة، إعادة هيكلة إجازة الأمومة. والمادة العاشرة من الدستور المصري تمنح رعاية وحماية خاصّتَين للأمّهات، وتتيح للنساء إرساء توازن بين الأسرة والعمل. واستكمالاً لهذه المادّة، يجب إقرار تشريع خاص يدعم الأمّهات العاملات. وفي هذا الإطار، يجب أن تحصل الأمهات على منافع معيّنة، مثل توفير رعاية نهارية ذات جودة لأولادهن، والخيار الأمثل هو إنشاء أماكن مخصّصة لهذه الرعاية داخل الشركات حيث يعملن. ويجب أن يفرض القانون عقوبات عند إقالة النساء بصورة مجحفة بسبب الحمل. وينبغي أيضاً تطبيق إجازة الأبوّة من أجل تشجيع المسؤولية المشتركة بين الوالدَين في رعاية المولود الجديد.

أما الحلول غير التشريعية فيجب أن تركّز على التوعية وشن الحملات دفاعاً عن المساواة بين الرجل والمرأة، بما في ذلك عند مستوى القاعدة. وجدت وكالة الإحصاءات الرسمية المصرية في العام 2009، أن النساء غافلات إلى حد كبير عن الحق في المساواة الذي يمنحهن إياه الدستور. بدلاً من اللجوء إلى الإعلام التقليدي، يمكن الإفادة من البرامج الحوارية ذات الشعبية الكبيرة، واستعمالها أداةً للتطوير عبر طرح هذه المسائل. فضلاً عن ذلك، يجب تغيير الذهنية بغية تبديل النظرة الاجتماعية إلى المرأة في المدى الأطول؛ ولايمكن إحداث هذا التحوّل في نهج التعاطي إلا من خلال حملة طويلة الأناة من أجل الفوز بدعم جميع الأطراف المعنية - العلمانية والدينية على السواء - ويجب أيضاً تعبئة جهود الحكومة والإعلام والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية. خلال العام الماضي، شهدت مصر مايزيد عن 50 مسيرة دعماً لحقوق المرأة، لكن واقع الحال هو أن هذه الحقوق تتراجع في جوانب متعدّدة في البلاد.

مستنصر بارما خبير في الاقتصاد السياسي، ومن كبار الباحثين الاقتصاديين في غرفة التجارة الأميركية في مصر. يكتب أيضاً بانتظام في مجلة Business Monthly.