ناثان براون، باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للسلام الدولي وأستاذ علوم سياسية في جامعة جورج واشنطن.

لاتقف مصر اليوم على حافة الحرب الأهلية. لكنها لم تنخرط أيضاً في مرحلة انتقالية تقود إلى إرساء نظام ديمقراطي مستقر. لقد جرى تجاوز كل الخطوط الحمراء الخطابية؛ ويتم اللجوء إلى العنف من حين إلى آخر؛ كما أن الانتهاكات التي كانت سائدة في السياسة المصرية قبل 2011 (استغلال كره الأجانب لتحقيق مآرب معيّنة؛ إسكات وسائل الإعلام؛ الأساليب التعسّفية التي تلجأ إليها القوى الأمنية)، عادت بقوّة. ولايمكن إلقاء اللوم على أي طرف معيّن في هذا الإطار، أو بالأحرى يمكن إلقاء اللوم على جميع الأطراف.

انطلاقاً من صراعات الأسبوعين الماضيين - أو حتى العامين الماضيين - تتجلّى بوضوح المكوّنات الأساسية للأزمة السياسية في مصر.

ثمة مشكلتان أساسيتان على مستوى الدولة المصرية. أولاً، لاتزال كل آليات المنظومة السلطوية على حالها إلى حد كبير (المحاكم العسكرية، قانون الطوارئ - على الرغم من انقضاء مدّة العمل بحالة الطوارئ - الأجهزة الأمنية التعسّفية؛ القوانين التي تفرض قيوداً على الصحافة والمجتمع الأهلي، وما إلى هنالك). لم تعد هذه الآليات خاضعة مركزياً لسيطرة الرئاسة - إلا أن هذا يقود إلى المشكلة الثانية. يعمل الأفرقاء البارزون في الدولة من دون أي إشراف سياسي. يُظهر بعضهم (الجيش، الأزهر، القضاء) مؤشّرات محدودة عن ضبط النفس، لكنهم يرفضون أية ضوابط خارجية. ويبدو أن بعضهم الآخر (لاسيما الأجهزة الأمنية) يميل إلى لعب لعبة قذرة جداً. ويفعلون ذلك أحياناً من أجل استمالة الرأي العام.

أما على مستوى المجتمع السياسي، فتبرز ثلاث مشاكل. أولاً، لا وجود لمجموعة من القواعد المقبولة من مختلف الأفرقاء؛ وهكذا يبدو أن فاعلين كثراً يشعرون بأنه يحق لهم أن يضاهوا خصومهم في أسوأ تصرّفاتهم. ثانياً، الاستقطاب السياسي شديد، والخطاب الأكثر شيوعاً هو ذاك الذي يستخدم لغة تجريد الآخرين من الشرعية؛ وأكثر من ذلك، لا آفاق تشير إلى إمكانية توصّل الخصوم إلى أرضية مشتركة ولو محدودة النطاق. ثالثاً، المؤسسات الرسمية ضعيفة. معظم الأحزاب مجرّد تنظيمات صوَرية؛ الحركات الاجتماعية التعبوية قوية لكنها عابرة، وتجد صعوبة في خوض غمار السياسة العادية أو حتى تطوير استراتيجيات متماسكة.

إزاء هذه القائمة الطويلة من المشاكل، لابد من الإشارة إلى أن المنظومة السياسية في مصر بعد 2011 تنطبع بميزتَين إيجابيتين: لقد باتت أكثر تعدّدية إلى حد كبير، إذ لم يعد بإمكان طرف سياسي واحد السيطرة على المنظومة؛ وثمة مستوى مرتفع من المشاركة السياسية. في تموز/يوليو 2011، يمكن إضافة عامل إيجابي آخر، ولو كان غريباً. فانشقاق شخصيات سلفية مهمّة من معسكر الرئيس مرسي خلال الانتفاضة والانقلاب - سواء كان فعل خيانة أم لا - حال دون تحوّل الخلاف السياسي إلى مواجهة بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.

تعني هذه العناصر مجتمعةً أنه يتعذّر على أي خصم أن يلغي الآخر. إلا أن المشكلة هي أن ذلك لايمنع البعض من المحاولة. لكن بانتظار أن يتقبّل المصريون - والمؤسّسات التي تدّعي خدمتهم - أنه ما من فريق يملك القدرة أو السلطة للتكلّم باسم الشعب بكامله، فإن التعدّدية الجديدة لن تولّد لا استقراراً ولا ديمقراطية.