محمد سالم، باحث في مركز إبن خلدون للدراسات الانمائية في القاهرة.

ماذا بعد سقوط محمد مرسي؟ كان ولازال السؤال الأكثر تعقيدا والذي لم توجد له إجابة قبل 30 حزيران/يونيو وبعدها، ولعل التعقيد هنا نابع من أن هذا التساؤل قد ارتبط بتفكير وقتي ارتكز على إسقاط نظام الاخوان المسلمين فحسب، ولم يقترن برؤية استراتيجية لكيفية التعامل مع جماعة الإخوان كطرف خارج الحكم. ومن ثم وصلنا إلى الأزمة الراهنة التي إن لم ينزع فتيلها لن تتورع عن الإجهازعلى مكتسبات ثورة يناير والعودة بمصر إلى المربع الأول. وفي زمرة تعقيدات المعادلة السياسية الجديدة، تبدو الحاجة ملحة لإيجاد مخارج تجنبنا ويلات هذه اللحظة الفارقة، فلا الوضع السابق يمكن الرجوع إليه ولا الوضع الحالي يمكن استمراره، وهنا يتصاعد الحديث عن عملية مصالحة وطنية شاملة.

ولاشك إن الوصول إلي مصالحة وطنية يعد أمر بعيد المنال، فمؤشرات التصالح لا تبدو جلية، وثمة صعوبات جمة تقف حجر عثرة أمام تحققها:

  •   كل طرف في الأزمة يتخندق في موقعه ويرفض التراجع، والحلول الوسط الخلاقة ممنوعة من الطرح مهما كانت نوايا اصحابها سليمة ووطنية.
     
  • غياب الأجواء الممهدة للمصالحة، وذلك بالنظر إلي أن مرحلة ما بعد مرسي بدأت بإغلاق منابر إعلامية، ثم إعتقال وتجميد أرصدة قيادات إخوانية، وأخطرها مذبحة الحرس الجمهوري، وهي أمور لايمكن أن تقترن في الوقت ذاته بالحديث عن مصالحة.
     
  • يطفو علي السطح حالة من "الفاشية" سواء كانت فاشية دينية، أو فاشية إقصائية في أواسط التيار المدني تدعو إلي استئصال وإبادة جماعة الإخوان، وترفض بشكل قاطع المصالحة أو أي دعوة لها.
     
  • لمتقدم القيادة العسكرية بعد حلولا تدفع نحو إدماج الإخوان في العملية السياسية بترتيباتها الجديدة، وهنا يقع السيسي ورفاقه في خطأين كبيرين؛أولهما استمرار حالة التجاهل لمطالب جماعة الاخوان بدون السعي لحلول وسط، وثانيها التناقض ما بين إعلان عدم الاقصاء والاجراءات علي الأرض التي تغلب منطق القوة.
     
  • عدم قبول جماعة الإخوان لأي حديث عن حوار أو مصالحة قبل تحقيق مطلبهم وهوعودة مرسي، فالمسألة أضحت الآن مسألة وجود وصراع بقاء.

وعلى الرغم من أن فرص المصالحة تبدو صعبة للغاية، بيد أن الأمر لايخلو من بعض الأمل وذلك بالنظر إلي أن لكل الأطراف الراهنة مصلحة في تجاوز هذه المرحلة، فجماعة الإخوان وعلى الرغم من الرفض الواضح لأي حوار، هنالك من يري حاجة لخروج آمن أو ضمانات لمرحلة ما بعد مرسي. وعلى الرغم من أن أنصار هذا الرأي قليلون للغاية وغير مؤثرين، قد يكون هذا الطرح قائما مستقبلا لاسيما مع ما يبدو من ثبات لمواقف القيادة العسكرية الرافض لأي تراجع، ناهيك عن وهن الرهان على حدوث انشقاق في صفوف الجيش.

وبالمقابل، فإن الجيش ومعه التيار المدني لديه مصلحة في إضفاء مشروعية على العملية السياسية الجديدة، ودحض صفة الانقلاب العسكري عما حدث، ويكون الأمر جله في بوتقة "تصحيح المسار"، والوصول في النهاية إلى نتيجة مهمة وهي منع انزلاق البلاد إلى هاوية الحرب الأهلية.

وختاما، فإن أي حديث عن دولة مصرية قابلة للحياة سياسيا لابد من أن يقترن بخطوة إلى الأمام-قبل الاندفاع صوب صناديق الاقتراع-عمادها الرئيسي مصالحة وطنية شاملة، وبدونها ستظل مصر علي كف عفريت.