حلّ الانقسام الجلي وغير المسبوق في مختلف أنحاء مصر، مكانَ الوحدة الوطنية التي عرفتها البلاد لفترة وجيزة عقب سقوط الرئيس السابق حسني مبارك. فالشعارات التي تغطّي تقريباً كلّ شبر من القاهرة تُعبِّر عن المزاج العام السائد حالياً. لقد اختفت الصور الملوّنة التي عبّرت في العام 2011 عن الآمال بالحرية من خلال مشاهد الوحدة الجامعة في تظاهرات ميدان التحرير، لتحلّ مكانها صورٌ أكثر سوداوية. فقد أظهر رسم كاريكاتوري ضخم تحت أحد الجسور رأس مرسي بحجم عمود كهربائي مع ملامح مشابهة لهتلر، وإلى جانبه خيرت الشاطر، كبير المخططين الاستراتيجيين لدى الإخوان المسلمين، وقد صُوِّر رأسه بحجم مشابه وبدا أقرب إلى الشيطان، وفي الجهة الأخرى محمد بديع، المرشد الأعلى للإخوان المسلمين. وتربط أسلاك يُقصَد منها أنها تُستخدَم للسيطرة على العقل، بين المسؤولَين في الإخوان المسلمين وبين الرئيس، وتحيط بهم صلبان معقوفة. في هذه الأجواء تتعمّق الأزمة المصرية، الأمر الذي يؤدّي إلى إلقاء مزيد من الضغوط على النسيج الاجتماعي في البلاد.

لم يسلم أيّ مبنى أو لوحة تقريباً من النداءات الداعية إلى المشاركة في ثورة 30 حزيران/يونيو، والتي رُشَّت على الجدران واللوحات بالرذاذ الأسود. وعلى جدار رمادي في شارع تتراكم النفايات على جانبَيه، جرى محو كلمة "تمرد" واستُبدِلَت بعبارة "الدم بالدم" مع الإبقاء على التاريخ نفسه. وقد روى رجل أميركي من أصل مصري كان في زيارة إلى مصر، كيف اعتقد أحد سائقي التاكسي أنه عضو في جماعة الإخوان المسلمين بسبب لحيته، ورفض أن يقلّه في سيارته صارخاً في وجهه "لا أنقل قطعاناً وخرفاناً"، وانطلق مسرعاً. كلمة "خرفان" (أي خراف) التي تنسجم في القافية مع لفظة "إخوان"، تُستعمَل بوتيرة متزايدة بهدف الحطّ من قدر أنصار الإخوان المسلمين عبر وصفهم بأنهم يتبعون قيادتهم كالعميان، وبأنهم عاجزون عن التفكير بطريقة مستقلة. 

وقد عمّت المشاعر نفسها القنوات الإعلامية الخاصة التي يموّلها رجال أعمال معادون لنظام الإخوان المسلمين. فعبّرت صفحات المعارضين عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن هذه الآراء، وقام ناشطون بارزون بتعديل صورتهم الشخصية عبر موقع "فايسبوك" ونشر صورة لمرسي يبدو فيها مثل هتلر. حتى الشخصيات الإعلامية المعارضة والكاريزماتية لاتكتفي بتصوير الإسلاميين بأنهم غير أكفياء، ودونيون، وغير مناسبين للحكم، بل أيضاً - وهذا أكثر مايثير القلق – بأنهم غير مصريين، فهم يصفونهم بـ"الآخر". ويقولون عنهم إن ولاءاتهم هي لحزبهم وللقوى الخارجية على غرار حماس أو قطر، وليست للشعب المصري. كما يعتبرون أنهم تنظيم إرهابي وغير شرعي أحكموا قبضتهم على البلاد، وكان لابد من إطاحتهم لأن بقاء مصر يتوقّف على هذا الأمر.

لقد انصرف كلٌّ من الطرفَين إلى تشويه سمعة الآخر. فالقنوات التلفزيونية المتعاطفة مع "الإخوان المسلمين" راحت تبثّ برامج متدنّية النوعية ومؤجّجة للمشاعر، تُظهِر فيها المعارضة بأنها منحطة أخلاقياً ومعادية للإسلام. وتبادَل الجانبان الأوصاف التي تُصوِّر الآخر بأنه تهديد وجودي، ولكن في الوقت نفسه - وفي موقف متناقض- بأنه جماعة صغيرة هامشية في مقابل الأكثرية الواضحة التي يدّعي كل طرف امتلاكها. فقد زعم كلٌّ منهما أنه هو "الشعب".

وكان الاستقطاب الاجتماعي بلغ ذروته قبل 30 حزيران/يونيو. لم تختلف آراء الناس حول الحقيقة نفسها وحسب، بل اختلفت أيضاً الحقائق بالنسبة إليهم. فعلى سبيل المثال، بدا معلّم مدرسة واسع الإطلاع - وهو من الأشخاص الذين صوّتوا لمرسي ولم يكونوا مسيّسين من قبل – قلقاً وهو يشدّد على أن الهدف من تظاهرات 30 حزيران/يونيو لم يكن إطاحة مرسي بل "القضاء على الإسلام في مصر". في المقابل، لفتت مسؤولة كبيرة في حزب معارض بارز إلى أن رحيل "الإخوان المسلمين" كان ضرورياً لأنهم كانوا يعملون على إعادة قولبة المنظومة الاجتماعية المصرية على شاكلتهم. وإثباتها على ذلك هو أن الإسلاميين في السلطة فرضوا على النساء ارتداء حجاب الرأس، وأغلقوا دور السينما والمسارح (مع العلم بأن فيلم "الرجل الحديدي 3" Iron Man 3 عُرِض في القاهرة في صالات مليئة بالنساء غير المحجّبات). لكنها أضافت بسخط شديد أن الأسوأ هو أن الإخوان كانوا على وشك تدمير كل المعالم المصرية القديمة، بما في ذلك الأهرامات، والقضاء على السياحة لأنهم يعتبرونها مصدراً للإثم. وتروي أنها حاولت إقناعهم بالعدول عن هذه المخططات عبر الإشارة إلى أن البلاد تعتمد على العائدات السياحية، وإلى أن الحكّام المسلمين السابقين لم يدمّروا التراث المصري. وتنقل عنهم أنهم كانوا يجيبون بأن هذه الأمور سقطت سهواً ولم ينتبه لها الحكّام السابقون لأنهم لم يكونوا على علم بوجود الأهرامات.

هذا النوع من الانتقاد التضليلي عبثي جداً، ولاسيما أنه كان هناك الكثير من الأخطاء الفعلية التي يمكن انتقاد الإخوان المسلمين عليها. فقد أعطت إدارة مرسي خصومها السياسيين مبرّرات كثيرة لانتقادها، بدءاً من عجزها عن إدارة الاقتصاد وصولاً إلى سوء تعاملها مع التحدّيات الحسّاسة في العلاقات الخارجية. في أواخر حزيران/يونيو الماضي، كانت السيارات تقف في صفوف طويلة أمام محطات المحروقات، حتى في منتصف الليل وعند الفجر، الأمر الذي أدّى إلى تعطيل حركة السير وتسبّب بالتأخير لساعات عدّة. إلا أن وزير النفط نفى في مؤتمر صحافي أن تكون هناك أزمة محروقات في البلاد، وطلب من الناس عدم تصديق الشائعات التي لا أساس لها عن الوقوف في صفوف طويلة أمام محطات الوقود. وقد سجّلت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً، إذ راحت تتضاعف عملياً كل بضعة أشهر، فيما تحوّل انقطاع التيار الكهربائي واقعاً يومياً، ولو كان يحدث لفترة وجيزة، إلا أنه غير قابل للتوقّع، ويتسبّب بتعطيل الأعمال والحياة اليومية. كانت القاهرة مشلولة في الأسابيع التي سبقت الثورة في 30 حزيران/يونيو.

يدين قادة المعارضة بشدّة هذه الإخفاقات، وهم محقّون في ذلك. لكن الأسلوب الذي تجمع به النخب المثقّفة بين البارانويا وبين الانتقاد المبرّر للسياسات هو الذي يولّد العوالم المتوازية التي تُكوِّن الواقع اليومي للمصريين حالياً. 

وليست أزمة المحروقات سوى مثال واحد على هذا الواقع. فقد حمّل أنصار مرسي "الدولة العميقة" مسؤولية التلاعب عن سابق تصوّر وتصميم بقنوات توزيع المحروقات من أجل التسبّب بنقص في الإمدادات. أما معارضو الرئيس فاعتبروا أن النقص في الوقود ليس سوى غيض من فيض الأمثلة على سوء إدارة مرسي لشؤون الدولة، وواحد من الأسباب الكثيرة التي استوجبت رحيله. وقد أضاف بعض هؤلاء المعارضين الذين لايفوّتون فرصة للانقضاض على الخصم، تهمة الخيانة عبر الزعم بأن مرسي كان يحرم مصر من الوقود كي يساهم في تزويد حركة حماس في غزة بالطاقة. وما إن أطيح مرسي حتى انتهت أزمة المحروقات وانقطاع التيار الكهربائي، بحسب التقارير، أو شهدت على الأقل تحسّناً كبيراً، الأمر الذي أثار من جديد ردود فعل متناقضة. ففي حين يعتبر أنصار مرسي أن الأزمة السابقة تقدّم مؤشراً واضحاً على لجوء المعارضة إلى التلاعب السياسي من أجل إضعاف الرئيس، يقول معارضوه إن ماجرى خير دليل على السرعة التي بادر بها المصريون إلى تصحيح سلوكهم الاستهلاكي لأنهم شعروا بالارتياح لرحيله. 

يسود انقسام عميق في صفوف المصريين، ولكن ليس حول خط التصدّع التبسيطي بين المتديّنين والعلمانيين، كما يعتقد كثر. فالمشاركون في تظاهرات 30 حزيران/يونيو ينتمون إلى مختلف مشارب الحياة، من علمانيين ومتديّنين، وليبراليين ويساريين، وثوريين ورَجعيين. أبدى ناشط يساري بارز ممَّن صوّتوا لمرسي في الانتخابات، انزعاجه من الفلول الذين شاركوا في التظاهرات، وقال إنه يأسف لاضطراره إلى السير إلى جانب أشخاص لايشاركونه رؤيته لمصر، لكنه أردف قائلاً: "أصبح الإخوان المسلمين متغطرسين جداً. علينا أن نوجّه إليهم رسالة كي يصحوا من سباتهم ويُحدِثوا تغييراً".

في حين عبّر الناشطون الأفراد عن دعم معتدل وأحياناً متردّد لحركة "تمرد"، كان دعاة الثورة في العلن أكثر حدّة في مواقفهم. فقد انتقدت شخصيات بارزة مؤيّدة للاحتجاجات، تصوير الإعلام الدولي للانقسام الحاصل في البلاد بأنه بين معارضي مرسي وبين أنصاره في مصر. فبحسب هؤلاء، المعركة هي بين "الشعب" وبين "عصابة من المتعصّبين". لايزال كلٌّ من الطرفَين يدّعي أنه هو مَن يمثّل "الشعب" ويحارب الهامشيين، مع العلم بأن استطلاعاً للآراء أجراه مركز "بصيرة" المصري لبحوث الرأي العام قبل شهر – أي في الوقت الذي تراجعت فيه نسبة التأييد لمرسي إلى 32 في المئة – أظهر أنه من بين 60 في المئة تقريباً من المصريين الذين كانوا مدركين لوجود حملة "تمرّد"، 50 في المئة يدعمونها و50 في المئة يرفضونها. يبدو أن الصراع الدائر في مصر يضع "الشعب" في مواجهة "الشعب".

داليا مجاهد هي رئيسة شركة مجاهد الاستشارية ومديرتها التنفيذية. وشاركت مع جون إسبوسيتو في تأليف كتاب "من يتحدّث باسم الإسلام؟ كيف يفكّر حقاً مليار مسلم".