تواجه حركة النهضة الإسلامية في تونس الأزمة الأكثر خطورة منذ وصولها إلى السلطة في أعقاب انتفاضة 2011. فقد أدّت عملية الاغتيال السياسي، الثانية في غضون خمسة أشهر فقط، إلى تعميق الاستقطاب بين الإسلاميين وبين منتقديهم. والتقت الأحزاب المعارضة التي لطالما كانت منقسمة، حول المطالبة باستقالة الحكومة التي يقودها حزب النهضة، وتعيين حكومة "إنقاذ وطني" غير مُنتخَبة. وفي الوقت نفسه، يتفاقم خطر التشدّد السلفي في بلد لطالما اعتُبِر واحةً للعلمانية في العالم العربي.

يصرّ قادة النهضة على أن حزبهم يشكّل نموذجاً عن التوافق والتسوية، ولذا يبقى الانتقال الديمقراطي التونسي، بحسب زعيم الحركة راشد الغنوشي، "النموذج الناجح الوحيد في المنطقة". والواقع أن هذا الكلام ينطوي على جزء كبير من الحقيقة. لقد اختار الحزب عدم الترشّح للرئاسة في بداية المرحلة الانتقالية خشية التسبّب بنقمة عارمة. ثم وافق على مشاطرة السلطة مع الأحزاب العلمانية في حكومة ائتلافية. وفي النقاشات حول الدستور الجديد، تراجع النهضة عن المطالبة بذكر الشريعة، وأعاد النظر في مادّة جرت صياغتها بعبارات ملتبسة ورد فيها أن المرأة "مكمِّلة" للرجل، وتخلّى عن خطة لإدراج حظر مبهم على "الإساءة إلى المقدّسات" في الدستور، وقدّم تنازلات للأفرقاء المطالبين ببرلمان مختلط ونظام رئاسي. كان إعداد الدستور بطيئاً لأسباب غير واضحة، إلا أنه أرغم على الأقل الخصوم السياسيين على التفاوض في مابينهم للتوصّل إلى تسويات.

لكن على الرغم من النمو اللافت في التقوى الشعبية في مختلف أنحاء العالم العربي في العقد الماضي، يقلّل القادة الإسلاميون المنتخبون حديثاً من شأن نظرة الارتياب التي لايزالون يُرمَقون بها. والسبب الأساسي في ذلك هو أن المشروع الإسلامي الذي يتبنّونه ملتبس في معظم الأحيان، نظراً إلى أن الالتباس هو السبيل الأفضل لجمع النزعات المتباينة داخل تياراتهم. فعلى سبيل المثال، يؤكّد سياسيو النهضة أنه من أجل استرضاء الأنصار الذين أغضبهم التنازل عن إدراج الشريعة في الدستور، اقترحت القيادة المادّة 141 في مسوّدة الدستور الأخيرة، والتي تنص على أنه لايجوز لأي مراجعة دستورية في المستقبل تقويض مكانة الإسلام "كدين للدولة". ليس هناك اتفاق حول معنى هذه الجملة الجديدة، لكن سياسياً واحداً على الأقل في النهضة ذكر أنهم أرادوا من خلال ذلك أن تكون القوانين الصادرة في المستقبل منسجمة مع الإسلام. وكذلك تنصّ المادة السادسة في مسودة الدستور الأخيرة، على أن الدولة هي "حامية للمقدّسات"، من دون تحديد ما المقصود بهذه "المقدّسات"، وما الحماية المطلوبة في هذا الإطار. يختلف تفسير هذه المادّة، حتى في أوساط سياسيّي النهضة، بين مَن يقولون إنها تعني حصراً الحفاظ على المقارّ الدينية، وبين مَن يرون فيها قانوناً ضد التجديف الهدف منه منع انتقاد الله أو النبي أو القرآن. لقد أثارت هذه الالتباسات غضب المعارضة، وفرضت تأخيراً كبيراً في إنجاز الدستور، حتى قبل اغتيال السياسي اليساري محمد البراهمي في 25 تموز/يوليو الماضي.

المشكلة الأخرى تتمثّل في الرأي القائل بأن الحكومة فشلت في معالجة الأسباب الجذرية للانتفاضة. فقد تراجعت البطالة قليلاً، إلا أنها لاتزال مرتفعة بنسبة 16.5 في المئة، علماً أنها أعلى بكثير في أوساط الشباب التونسيين، ولاسيما الخرّيجين الجدد، في المناطق الداخلية الأكثر فقراً. وتستمرّ أوجه التفاوت الاقتصادي بين المناطق، ولم تجد العدالة الانتقالية بعد طريقها إلى التطبيق، ولاتزال بيروقراطية النظام السابق في حاجة إلى الإصلاح في جزء كبير منها. غالب الظن أنه لو وصلت حكومة يقودها العلمانيون إلى السلطة، لواجهت أيضاً تحدّيات كبيرة على هذا الصعيد، بيد أن الناس يشعرون بأن هناك تقاعساً ولايلمسون أي تغيير، الأمر الذي يُغذّي انتقادهم للإسلاميين.

وقد تعاظمت الأزمة عقب اغتيال البراهمي. تُركّز المعارضة الجزء الأكبر من انتقاداتها على المسألة الأمنية، إذ تُتَّهم حركة النهضة بالسماح بانتشار ثقافة الإفلات من العقاب، الأمر الذي أدّى إلى تفشّي التشدّد الذي يستخدم الأساليب العنفية.

واقع الحال أن التهديد السلفي، الذي وُلِد نتيجة التهميش في ظل القمع الذي مارسه نظام بن علي، أكبر مما خُيِّل إلى النهضة في البداية. فالحزب تأخّر في التنبّه إلى خسارته لاحتكار التمثيل الحصري للإسلام في السياسة، وأظهر تردّداً في التخلّي عن المقاربة التوفيقية التي اعتمدها بدايةً في التعامل مع السلفيين. ولم يعتمد موقفاً حازماً سوى في الأشهر الأخيرة، بعد اكتشاف مخابئ للأسلحة، وصدور تقارير عن توجّه آلاف الشبان للقتال في سورية، والهجمات على الجنود العاملين قرب الحدود مع الجزائر.وقد تنامى التهديد في الأيام الأخيرة. تعتقد وزارة الداخلية أن السلفيين كانوا وراء اغتيال البراهمي وشكري بلعيد، وهو أيضاً سياسي يساري اغتيل في ظروف مشابهة في شباط/فبراير الماضي. وقد لقي عشرة جنود مصرعهم الأسبوع الماضي، في هجومَين مختلفين على مقربة من الحدود الجزائرية، يُشتبَه بأن يكون السلفيون ضالعين فيهما، وانفجرت عبوتان ناسفتان في تونس.

تشكّل السلفية تحدّياً داخلياً كبيراً بالنسبة إلى حزب النهضة، الذي يبتعد عن جذوره الإسلامية ويتحوّل إلى حزب سياسي محافظ على المستوى الاجتماعي ونيوليبرالي على المستوى الاقتصادي. لكن قيادته لم تتغيّر منذ الثمانينيات، ولم يكن من السهل استقطاب أنصار جدد في أوساط الشباب. بل إن الحزب يجد نفسه محاصراً بجماعات سلفية حديثة العهد يطغى عليها العنصر الشاب، وتستند أيديولوجيتها الواضحة إلى الشريعة، فضلاً عن جاذبيتها الشديدة لدى الشباب المحرومين والعاطلين عن العمل.

وقد التقت المعارضة التي لطالما كانت منقسمة، حول المطالبة باستقالة الحكومة الائتلافية بقيادة النهضة، واستبدالها بحكومة "إنقاذ وطني" عن طريق التعيين. حتى حزب التكتّل الذي ينتمي إلى الحكومة الائتلافية، يوافق على هذا المطلب. ويمارس الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يُعَدّ النقابة الأساسية في البلاد والذي نظّم إضرابَين عامَّين خلال العام الجاري، ضغوطاً للمطالبة بالتغيير الفوري. حتى أن عدداً كبيراً من المعارضين يطالب بحلّ المجلس التأسيسي. بيد أن الخطة التي وضعوها لتعيين حكومة جديدة ولجنة للانتهاء من إعداد الدستور وعرضه على الاستفتاء، تفتقر إلى التفاصيل وآلية للمساءلة الديمقراطية. أما الجيش فيُعرَف تاريخياً بابتعاده عن التسييس، ومن المستبعد أن ينحاز إلى فريق دون الآخر. هذا ويرفض عدد كبير من التونسيين السياسة النخبوية التي تتّسم بالمشاحنات والتأخير والتغيّب عن حضور الجلسات في المجلس التأسيسي، ولاتبالي بالتحدّيات الحقيقية التي تواجهها المناطق الأكثر فقراً. ويحذّر آخرون من أن مطالب المعارضة تصبّ في الاتّجاه المعاكس للثورة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى تعطيل العملية الانتقالية على مسافة أشهر فقط من الانتخابات المقبلة، من دون معالجة الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية الأساسية التي تواجهها تونس الجديدة.

عرض رئيس الوزراء، علي العريض، الذي ينتمي إلى حزب النهضة، إنجاز الدستور بسرعة، والتخلّي عن مشاريع القوانين المثيرة للجدل، والتعجيل في إجراء الانتخابات في كانون الأول/ديسمبر المقبل. لكن هذه الإجراءات قد لاتكون كافية. فمع أن المعارضة لم تتمكّن بعد من حشد أعداد من المحتجّين تضاهي الأعداد الغفيرة التي تظاهرت في القاهرة ضد الإخوان المسلمين، إلا أن التظاهرات تستمر لدى أنصار الفريقَين، وقد انسحب حوالى ربع الأعضاء المعارِضين من المجلس التأسيسي.

بعد اغتيال بلعيد في شباط/فبراير الماضي، تخلّت النهضة عن وزارات الداخلية والعدل والخارجية، وسلّمتها إلى شخصيات مستقلّة. لكن هذه التسوية لم تتحقّق إلا بعد حدوث انقسام داخلي عميق في صفوف الحزب. لايزال الغنوشي يرفض التخلّي عن السلطة، وقد انتقد مَن يلقون "المواعظ السياسية" على الحكومة. سوف يقاوم حزبه بشدّة محاولات عزله عن السلطة وقطع العملية الانتقالية، ولاسيما على ضوء حملة التضييق على الإخوان المسلمين في مصر. النهضة مستعدّة للسير في اتجاه تسوية ما، لكن هذا قد لايكون كافياً في نظر المعارضة التي تزداد غضباً.

روري مكارثي طالب دكتوراه في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد يعمل على إعداد أطروحة عن النشاط الإسلامي في تونس المعاصرة. عمل سابقاً مراسلاً لصحيفة "غارديان" في الشرق الأوسط.