بعد عملية اقتحام سجنَي أبو غريب والتاجي في بغداد في 21 تموز/يوليو، أثبتت القوى الأمنية العراقية قدرة الحكومة على تقييد الحركة في أجزاء واسعة من المدينة مترامية الأطراف وذلك عبر قيامها بإغلاق أحياء بأكملها. هذه القابلية، فضلاً عن الإجراءات الأمنية المشدّدة الأخرى التي لاتعتمد على القوة المسلحة فحسب، بل على السيطرة الحيزية أيضاً، هي السبب الرئيسي وراءغياب الرغبة لدى البغداديين عن التحرّك الاجتماعي في الوقت الحالي. بالفعل، لايمكن فصل الحواجز المفروضة على بغداد عن المأزق السياسي الراهن في العراق. هذه القيود الحيزية المشدّدة هي المسؤولة الأساسية عن غياب الضغط الشعبي الفعّال من أجل تحقيق الإصلاح السياسي.

 في ظلّ تقسيم بغداد بواسطة الجدران الواقية من الانفجارات وعزل المنطقة الخضراء، يواجه سكّان العاصمة العراقية عوائق مادية تمنعهم  من التوحد  للمطالبة بالتغيير السياسي.الجدران الواقية من الانفجارات في بغداد، صدرت الصورة عن الكاتب.

حافظت بغداد، المدينة الأكثر تنوّعاً واكتظاظاً بالسكّان في العراق، والتي تضمّ المؤسسات الإدارية والتربوية الأساسية في البلاد، على هدوءها على الرغم من الاضطرابات المُعدِية التي شهدتها المنطقة في العامَين الماضيين. فعلى الرغم من إن دلاع الاحتجاجات مؤخراً في المحافظات الغربية في العراق،  وعلى الرغم من التململ الشعبي الواسع من أداء الحكومات المنتخبة منذ العام 2003، ظلّ سكان بغداد مكتوفي الأيدي. لاشك في أن تصدّي الحكومة للحركات الاعتراضية يجعل البغداديين أقل نزوعاً إلى التعبئة. لكن ثمة العديد من العوامل الأخرى التي تلعب دوراً في هذا المجال، ومنها الذاكرة الجماعية للتجمّعات البعثية، حيث دفعت  الى ارتباط التعبئة بالإكراه وبالدوافع التضليلية وبعُقم التعبير المشترك عن الأجندات السياسية. ويعتبر  أيضاً العنف المذهبي من الأسباب المساهِمة  سكان تثبيط في  بغداد ، إذ يتخوّف العراقيون من هجمات المتمرّدين التي تستهدف التجمعات الشعبية. هذا فضلاً عن المعاناة التي يتكبّدها العراقيون لتوفير احتياجاتهم اليومية، الأمر الذي تسبّب  في إنهاك السكّان جسدياً وفكرياً منذ عقود. إلا  ان العامل الأهم  في هذا السياق يرتبط بالبعد الفراغي. فحتى ان رغب العراقيون في التعبئة اليوم، من شأن البعد الفراغي في بغداد أن يعطّل أي محاولات للتجمّع أو التنقّل أو التعبير الجماعي عن الامتعاض. فالبعد الفراغي الذي نشأ بعد الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003، والذي دعمته الحكومات العراقية بذريعة أن الوضع الأمني غير الاعتيادي في البلاد يقتضي فرض مثل هذه القيود بصورة مستمرة، يحول دون إمكانية التعبئة الشعبية أو التعبير العلني للمطالبة بالتغيير.

يساهم البعد الفراغي في الوضع الذي آلت إليه الأمور بشكلان. الأول هو أن بغداد مقسمّة  اليوم إلى أحياء عدّة تسيطر عليها منظومة واسعة من الجدران الواقية من الانفجارات وحواجز التفتيش. وحدهم الأشخاص الذين يواجهون هذا التضييق في حياتهم اليومية يعانون الوطأة الشديدة لهذه المنظومة. فلا تزال شوارع كثيرة في بغداد تمتلئ بالحواجز الإسمنتية التي تبدو وكأن لانهاية لها، والتي تتّخذ أشكالاً متنوّعة والتي  تم استعمالها بطرق مختلفة. وبما أن أكثرية المباني في بغداد تتألّف من طابق أو اثنَين فقط، فإن الرؤية في أجزاء عدّة من المدينة تقتصر على الجدران الرمادية الموجودة في كل مكان، الأمر الذي يولّد شعوراً طاغياً بالعيش داخل سجن مفتوح. تمتزج هذه الحواجز مع الجدران التي شُيِّدت حول المباني الحكومية الحسّاسة في الحقبة البعثية، ومع تلك التي تحيط بقصور صدام حسين الباقية، مما  يوحي بالاستمرارية  مع العراق القديم. بيد أن المدينة في حالة جمود مستمرّة، لا بسبب تعطيل هذه الجدران لقدرة السكّان على التنقّل فحسب، بل أيضاً بسبب حواجز التفتيش الكثيرة المنتشرة  في كل حيّ أو شارع رئيسي في بغداد. وتزداد حركة السير بطأً وازدحاماً بسبب تفتيش المركبات كلّ واحدة على حدة، عبر استعمال أجهزة كشف المتفجّرات المحمولة يدوياً التي تثير جدلاً واسعاً ويعتبرها السكّان المحليون غير فعّالة على الإطلاق. وهكذا تحوّلت بغداد، بسبب هذه المنظومة الشاملة - التي تُطرَح علامات استفهام حول فعاليتها نظراً إلى العدد الكبير من الهجمات التي تُشَنّ في داخل المدينة بصورة منتظمة - من المدن الأكثر خضوعاً إلى السيطرة في العالم اليوم. فهذه الإجراءات تمنح الحكومة العراقية سلطة محلية غير مسبوقة، الأمر الذي يتيح لها حظر التجوال في المدينة بكاملها، أو تطويق أجزاء فيها بحسب رغبتها، كما حصل في الآونة الأخيرة. بعبارة أخرى، هذه  المنظومة غير فعّالة في فرض الأمن، إلا أنها فعّالة بصورة استثنائية في السيطرة على سكان بغداد وتنقّلاتهم.

يتمثّل الظرف الثاني الذي يعطّل التعبئة الاجتماعية في بغداد في عزل المنطقة الخضراء السيئة الصيت. فهذه المنطقة التي أُنشِئت في الأصل لحماية قوات الاحتلال، أصبحت مصدراً للاستياء العام. ينتقد العراقيون الحكومة والمسؤولين الكبار فيها لعيشهم وعملهم بأمان في داخل المنطقة الخضراء، حيث يتمتّعون بكل الخدمات والمرافق التي يحتاجون إليها، ويغفلون عن المطالب الشعبية أو المشقّات التي يتكبّدها أبناء بغداد يومياً. فالمنطقة الخضراء محاطة بطبقات عدّة من الجدران الإسمنتية الواقية والأسلاك الشائكة، فضلاً عن سلسلة من أبراج المراقبة مشدّدة الحماية، وينتشر حولها عدد كبير من رجال الأمن الذي يحمونكل شبر من الحدود المحيطة بالمنطقة. أما العبور إلى المنطقة الخضراء فيتم عبر نقاط معدودة يديرها عدد مكثّف من عناصر الأمن الذين لايسمحون بالدخول سوى للأشخاص الذين يحملون إذناً رسمياً. لقد جعلت هذه الإجراءات من المنطقة الخضراء ملاذاً آمناً في بغداد، ولغزاً كبيراً للعراقيين العاديين الذين يتعذّر عليهم دخولها. وهكذا تؤدّي هذه التدابير الأمنية إلى قطع الرابط الفعليبين العراقيين وممثّليهم المنتخَبين، وتحول دون إمكانية الوصول إلى المؤسسات العامة، ولاسيما مجلس النواب، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، ومكتب رئيس الوزراء، و غيرها. كما أن فصل مؤسسات الدولة الكبرى عن الشعب يمنع العراقيين من الوصول إلى المقار الرئيسة لهذه المؤسسات أو نقل شكواهم مباشرةً إلى ممثّليهم المنتخبين.

يؤلف هذا التفاعل بين المدينة المجزّأة والحكومة المنعزلة مثالاً فريداً عن منظومة حيزية تجعل من غير الممكن ممارسة الحقوق التي يضمنها الدستور العراقي، مثل حرية الحركة والتجمّع والاحتجاج السلمي والتعبير عن المطالب أو الشكاوى الشعبية، ويكشف أيضاً عن نظام يعطّل ظهور حركة واسعة من المحتجّين أو الناشطين الذي يمكنهم التأثير على الحكومة. يصف الدستور الجديد العراق بأنه ديمقراطية برلمانية، لكن العوائق المفروضة على بغداد والخاضعة إلى السيطرة المركزية ، لاتمتّ إلى الديمقراطية بأي صلة. فالبعد الفراغي في العاصمة، والمُسيطر عليه من قبل الحكومة الحالية، له تأثيرً سلبيً على المشاركة العامة، وبالتالي على آفاق الإصلاح السياسي. ففي ظل افتقار الرأي العام إلى القدرة الفعلية على الضغط على الحكومة، تبقى المحفّزات ضئيلةً لإحداث تغيير إيجابي. ولذلك، فإن النزاعات على السلطة، فضلاً عن الأداء الضعيف للحكومة، ستستمر على الأرجح من دون أي رادع شعبي.

أمين السادن طالب دكتوراه في جامعة هارفرد، وباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) في برلين.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.