ستيفن هرتوغ، محاضر في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ومؤلف "الأمراء والسماسرة والبيروقراطيون".

لا ثورة من دون أزمة اقتصادية-اجتماعية عميقة. والسعودية لم تشهد مثل هذه الأزمة بعد. فبفضل عائداتها النفطية الضخمة، واحتياطياتها المالية الأضخم في الخارج، تستطيع تأمين ما يكفي من الوظائف للشباب الباحثين عن عمل - والذين يشكّلون شريحة أساسية من السكّان - في القطاع العام، بما يساهم في نزع فتيل أي غضب ثوري واسع النطاق.

تتوقّف استمرارية هذه الخطة على حسابات بسيطة: أسعار النفط ومستويات الإنتاج من جهة، وتكاليف سياسة التوظيف الداخلي والإعانات الحكومية من جهة ثانية. فهذه التكاليف تزداد بسرعة، وغالب الظن أنها ستستمرّ في الارتفاع، ولو بوتيرة أكثر تروياً، بسبب النمو المتواصل في أعداد السكّان الذين بلغوا سن العمل. لكن حتى لو تبنّينا افتراضات متشائمة عن أسعار النفط، لن ينفد المال في الممكلة قبل 12 عاماً على الأقل. في الوقت الحالي، لاتزال السعودية تملك فوائض كبيرة نظراً إلى أن سعر النفط التعادلي يبلغ نحو 80 دولاراً للبرميل الواحد، أي أقل بكثير من الأسعار الحالية.

في حين أن آفاق المملكة في المدى المتوسط تثير حسد الدول غير النفطية في المنطقة، فإن الآفاق البعيدة الأمد ضبابية لابل قد تكون قاتمة. ففي إطار طفرة الإنفاق التي تشهدها البلاد منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح النشاط الاقتصادي أكثر اعتماداً على موازنة الدولة. لاتتعدّى حصة رواتب القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي العشرة في المئة، مقارنةً بـ40-50 في المئة في الاقتصادات الناضجة، ما يحول دون توليد الطلب المكتفي ذاتياً. يشغل الرعايا الأجانب الجزء الأكبر من الوظائف في القطاع الخاص. وفي العام 2011، كان أقل من 400 ألف أجنبي من أصل أربعة ملايين عامل أجنبي في القطاع الخاص، يتقاضون راتباً يزيد عن ثلاثة آلاف ريال سعودي (800 دولار أميركي). وهكذا نظراً إلى تدنّي مستويات الأجور في القطاع الخاص، لايفكّر السعوديون حتى في التقدّم بطلبات توظيف في الشركات الخاصة، إلا في حالات محدودة جداً مرتبطة بمناصب معيّنة، لا سيما التنافس ضد المهاجرين الذين يبحثون عن عمل والتفوّق عليهم.

ساهمت الجهود التي بذلتها الحكومة مؤخراً لإرغام أصحاب العمل على توظيف عدد أكبر من المواطنين السعوديين، في زيادة أعداد المواطنين العاملين في القطاع الخاص، لكن هذه المنظومة الجديدة لتوزيع الحصص معقّدة وتصعب مراقبتها؛ فقد ابتكر أصحاب العمل وسائل متعدّدة للتهرّب منها. فما دام نظام الهجرة المفتوحة يفرض على المواطنين التنافس مع العمّال الآسيويين الذين يقبلون برواتب شديدة التدنّي، ستكون لدى الشركات حوافز قوية لتفضيل الأجانب، ما يؤدّي إلى تقويض آلية استحداث الوظائف للمواطنين في القطاع الخاص، والتي تُعتبَر ضرورية من أجل الاستقرار في المدى الطويل. فضلاً عن ذلك، أدّت الاستعانة باليد العاملة المنخفضة الكلفة إلى ركود أو تراجع في الإنتاجية، ما عطّل سعي المملكة إلى بناء "اقتصاد المعرفة" ما بعد النفطي.

سوف تُضطرّ السعودية، في المدى الطويل، إلى الخضوع لتحوّل مؤلم للتخلّص من فائض التوظيف في القطاع العام، ومن الاعتماد على اليد العاملة المهاجرة. وسوف يتسبّب هذا التحوّل بالمعاناة للمواطنين والشركات على السواء في المدى القصير. قد تكون الأوضاع جيدة الآن، ولاداعي بالتالي إلى فرض مثل هذه المعاناة في الوقت الحالي. لكن عندما تبلغ موارد الدولة المالية حدودها القصوى، سيكون التحوّل القسري الذي يصب في اتجاه التخلّي عن الاعتماد على الدولة، فجائياً وعنيفاً. هذه المعطيات لاتقود حكماً إلى اندلاع ثورة، لكنها تحمل في طياتها بذور اضطرابات خطيرة يمكن أن تؤدّي إلى زعزعة الاستقرار لأول مرة منذ عقود.