فريدريك ويري، باحث في برنامج الشرق الأوسط في مركز كارنيغي للسلام الدولي ومؤلف "السياسة المذهبية في الخليج: من حرب العراق إلى الانتفاضات العربية".

بعد عامَين على انطلاقة الانتفاضات العربية، ساهم خطر الفوضى الإقليمية في حماية آل سعود من المعارضة التي تعتمل في الداخل. فقد لجأت الأسرة الحاكمة إلى الاستراتيجية المعهودة التي أثبتت نجاحها على مر الزمن، وقدّمت نفسها بحنكة في موقع الحصن المنيع في وجه شبح الفتنة المذهبية والحرب الأهلية اللتين يتسبّب بهما التغيير السياسي السريع والخارج عن السيطرة. لقد توسّعت دائرة التشنّجات المذهبية الإقليمية - بدفع من الأئمة السنّة ووسائل الإعلام المملوكة من الدولة - ما أدّى إلى تعطيل التعاون والتنسيق بين النشطاء السنّة والشيعة في المملكة، الأمر الذي يصب في مصلحة النظام الملَكي. وفي موازاة ذلك، أُطلِقت حملة من الإعانات الطائلة والإصلاحات المدوزنة بعناية شديدة بهدف استرضاء الجيل الشاب الذي يزداد تململاً.

إحدى المسائل الأساسية المطروحة على المملكة الآن هي إذا كانت المكاسب التي تؤمّنها هذه الاستراتيجية، والآخذة في التناقص، كافية على ضوء تفشّي الاستياء الذي يمكن أن يتحوّل، في مرحلة ما، إلى أزمة أكثر خطورة. يتنامى الشعور لدى النشطاء والإصلاحيين في مختلف أنحاء البلاد، بأن الحوار الوطني وانتخابات المجالس البلدية لم تكن سوى إصلاحات فارغة لم تحقّق أي تغيير سياسي أو اقتصادي فعلي. وفي مواجهة النظام الذي يقدّم نفسه بأنه حارس الحوار بين المذاهب والمناطق المختلفة في المملكة، وجد هؤلاء النشطاء الشباب فسحات جديدة في شبكات التواصل الاجتماعي وتوصّلوا إلى قواسم مشتركة في ما بينهم. لكن حتى الآن، لم يسفر هذا النشاط عن قيام حركة شعبية أو قوة سياسية متماسكة.

إلا أن شرائح مختلفة في المجتمع السعودي تتقاسم عدداً من المظالم المشتركة أبزرها الأجور المتدنّية، والبطالة، وإهمال البنى التحتية على مستوى البلديات والمحافظات، ولعل الأهم بينها، التحركات المتواصلة احتجاجاً على سجن المعارضين السياسيين. وفوق هذا كلّه، ربما بدأت علامات الإنهاك تظهر على السلطة العائلية وسلطة رجال الدين اللتين كانتا تشكّلان سابقاً أداة السيطرة الاجتماعية.

وتشكّل المنطقة الشرقية على وجه الخصوص مختبراً حقيقياً لهذه الديناميات، إذ تشهد منذ العام 2011 احتجاجات مستمرة نادراً ما يؤتى على ذكرها في وسائل الإعلام. صحيح أن للمنطقة مظالمها الخاصة المرتبطة بالتمييز المذهبي ضد مواطنيها الشيعة، لكن النشطاء في مناطق أخرى من البلاد يرجّعون صدى الكثير من المطالب التي يرفعها المحتجّون في المنطقة الشرقية، ولو بأصوات أكثر خفوتاً. وتتمثّل هذه المطالب بالإفراج عن السجناء السياسيين، ومنح صلاحيات أكبر للمجالس البلدية المنتخبة، وبناء سلطة قضائية مستقلة، ووضع دستور للبلاد، وإجراء إصلاحات اقتصادية. وفي هذا السياق، لايجب النظر إلى المنطقة الشرقية بأنها منطقة معزولة يسود التململ بين أبنائها، بل إنها تقدّم مؤشّراً عن صحّة البلاد ككل.