أفسح حزب النهضة الإسلامي الحاكم في تونس، عقب فوزه في الانتخابات، المجال أمام الحركات المحافِظة الأكثر يمينيةً للانضمام إلى المساحة السياسية. وقد شجّع المجموعات السلفية على نبذ العنف، وتنظيم الأحزاب، والالتحاق بالعملية السياسية، وذلك في اختلاف جذري عن موقف الحكومة الانتقالية التي حجبت التراخيص عن الأحزاب السلفية، وشكّكت في التزامها بالمبادئ الديمقراطية. أما أعضاء النهضة ونشطاؤها فكانوا متفائلين بأنه من شأن إشراك السلفيين في عملية الأخذ والرد في السياسة الديمقراطية أن يدفع بهم نحو التخفيف من حدّة مواقفهم المتشدّدة وتبنّي آراء أكثر اعتدالاً. لكن بعد الأزمة السياسية العميقة التي تسبّب بها اغتيال شخصيّتَين سياسيتَين بارزتين، وتصاعُد العنف الجهادي والبلطجة، يبدو أن استراتيجية الاستيعاب التي اعتمدتها النهضة ارتدّت بنتائج عكسية.

رأى عدد كبير من أعضاء النهضة أن التشدّد السلفي هو من نِتاج القمع الذي انتهجه نظام بن علي، وأنه عندما يحصل السلفيون على فسحة للتنفيس عن مظالمهم، سوف يدركون منافع الانخراط في العملية السياسية. بعد الهجوم على السفارة الأميركية في العاصمة تونس، الذي أسفر عن سقوط أربعة قتلى في 14 أيلول/سبتمبر 2012، دافع زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، عن استراتيجية الاستيعاب التي اتّبعها حزبه في التعامل مع التيار السلفي في تونس منذ وصوله إلى السلطة، مفنّداً الانتقادات التي وجّهتها الأحزاب العلمانية إلى الحكومة لتغاضيها عن النشاط السلفي المتنامي، الذي رأت أنه يساهم في تفشّي العنف والبلطجة.

لقد مهّد التحرير السياسي الذي انتهجته النهضة، الطريق أمام تأسيس العديد من الأحزاب السلفية والإسلامية وحصولها على الاعتراف الرسمي. والأبرز منها جبهة الإصلاح التي أسّسها محمد خوجة، العضو السابق في الجبهة الإسلامية التونسية الذي عاش في المنفى في لندن منذ الثمانينيات. نادى خوجة بالإرهاب ضد الدولة في الثمانينيات، لكنه سرعان مانبذ العنف وتبنّى الديمقراطية. ومن الأحزاب السلفية الأخرى التي حظيت بالاعتراف في الآونة الأخيرة حزب الأصالة وحزب الرحمة، فضلاً عن حزب التحرير الإسلامي. لهذه الأحزاب موقف مختلف عن الموقف السلفي التقليدي الذي رفض المشاركة في السياسة الحزبية معتبراً أنها غير أخلاقية ومسبِّبة للانقسام. وقد رفضت جماعة أنصار الشريعة التي تُعتبَر التنظيم السلفي الأبرز في تونس، إنشاء أحزاب سياسية، وطلبت من الأنصار تكريس ذواتهم للدعوة وعمل الخير.

على الرغم من المحاولات الصادقة التي بذلتها النهضة لفتح حوار مع التيار السلفي، ازدادت أعمال العنف والتحرّكات بصورة مطّردة بين العامَين 2012 و2013 (الصورة 1). وقد أثارت الاعتداءات على المدنيين الاهتمام الدولي وغضب العلمانيين في تونس. بيد أن الحكومة بقيادة النهضة رفضت علناً ضرب المجموعات السلفية خوفاً من أن يؤدّي القمع إلى جنوحهم أكثر نحو التشدّد. وقد استمرّ الغنوشي في التمسّك بهذا الموقف حتى في أعقاب أعمال العنف، وعلى الرغم من كلفته السياسية. لكن الحكومة تحرّكت لمواجهة النشاط السلفي والعنف الجهادي من خلال إجراءات أكثر مباشرةً في مطلع العام 2013، إلا أنه ليست هناك مؤشّرات على تراجع مستويات العنف. واقع الحال هو أن الدخول في مواجهة أكثر مباشرةً مع أنصار الشريعة يمكن أن يقود إلى مزيد من العنف؛ فقد حذّر زعيمهم، أبو عياض التونسي، من أنه إذا تعرّض التنظيم إلى قمع جديد، فسوف يدفعه ذلك نحو المواجهة المفتوحة مع الدولة.

Graph is provided by the author

الصورة 1: أعمال العنف التي يُتَّهم السلفيون والجهاديون بارتكابها في تونس بحسب الشهر، كانون الثاني/يناير 2011 – تموز/يوليو 2013
أعمال العنف بحسب الشهر وخط الاتجاه | صدرت الصورة عن الكاتب إستنادا الى أرقام من ACLED

ألقى الفلتان الأمني المتزايد واغتيال النائب العلماني محمد البراهمي في 25 تموز/يوليو الماضي، بالبلاد في أزمة سياسية متفاقمة. وقد سارعت الحكومة إلى توجيه أصابع الاتهام إلى الجهادي التونسي المعروف أبو بكر الحكيم، في عملية الاغتيال، واتّهمته بأنه عضو في جماعة أنصار الشريعة وتربطه صلات بتنظيم القاعدة. وقد رأت المعارضة العلمانية في هذه الأحداث دليلاً إضافياً على أن المقاربة الناعمة التي تنتهجها النهضة تساهم في تفشّي العنف الأصولي. وعلى هذه الخلفية، بدأت المعارضة تطالب باستقالة الحكومة وحلّ المجلس الوطني التأسيسي. قاطع عدد كبير من أعضاء المجلس المؤلّف من 217 عضواً الجلسات، وقد عمد رئيس المجلس مصطفى بن جعفر، إلى تعليق انعقاده بانتظار حلّ الأزمة عن طريق الحوار.

ما الذي أدّى إذاً إلى فشل استراتيجية النهضة في مدّ اليد إلى السلفيين؟ يمكن التوقّف عند ثلاثة عوامل أساسية في هذا الإطار. أولاً، افترضت النهضة بصورة متفائلة أن الدمج في عملية سياسية مفتوحة يدفع حكماً بالسلفيين في تونس إلى سلوك طريق الاعتدال. بيد أن الدراسات الحديثة أظهرت أن العوامل التي تؤثّر في التيارات المتشدّدة وتدفعها نحو الاعتدال، متنوّعة ومعقّدة ومرتبطة بالسياق والظروف: فمن الخطأ إقامة رابط جازم وأكيد بين المشاركة السياسية والاعتدال. وحركة النهضة في ذاتها تُقدّم إثباتاً على العكس، فقد حقّقت هذه الحركة الإسلامية المتشدّدة الاعتدال على الرغم من سنوات القمع والإقصاء والتهميش. باختصار، ربما أخطأت النهضة في تقدير مفعول العملية السياسية المفتوحة واستعداد السلفيين للانخراط فيها.

يتمثّل العامل الثاني في عجز الأحزاب السياسية السلفية عن استقطاب دعم كبير. فقد خلص استطلاع أجراه المعهد الجمهوري الدولي في العام 2012، إلى أن جميع الأحزاب السلفية في تونس تفتقر إلى الدعم. فعلى سبيل المثال، يسيطر على القيادة في جبهة الإصلاح ناشطون متقدّمون في السنّ أمضوا الجزء الأكبر من العقدَين الماضيين في المنفى، مايحدّ من روابطهم مع القاعدة الشبابية في الداخل. وبالنسبة إلى عدد كبير من النشطاء السلفيين الشباب، تتعارض فكرة الأحزاب السياسية في ذاتها مع قيَم الوحدة التي تنادي بها العقيدة السلفية.

العامل الأخير الذي تسبّب بفشل استراتيجية النهضة هو سياق العملية السياسية الحسّاسة والخلافية بوجود الأحزاب السياسية العلمانية والناخبين العلمانيين في تونس. فقد اقتضت المقاربة التي اعتمدتها النهضة قدراً من التساهل إزاء العنف السلفي، إلا أن هذا التساهل أثار، في المدى القصير على الأقل، غضب المجموعات العلمانية وساهم في تمكينها عبر دفعها إلى المطالبة بحلّ الحكومة التي تقودها النهضة. وجاء الانقلاب العسكري الذي دعمه العلمانيون في مصر، ليزيد من حدّة هذا التشنّج وإلحاحيته.

ونجد في صلب هذه العوامل العديد من المفاهيم الخاطئة التي كوّنها عدد كبير من الأفرقاء الأساسيين عن طبيعة التيار السلفي في تونس، الأمر الذي تسبّب باتخاذ خيارات سيّئة في السياسات. المفهوم الخاطئ الأول هو رغبة قادة النهضة في أن يروا في السلفيين انعكاساً لهم مع نفحة أكثر شبابية وحماسة، الأمر الذي جعل عدداً كبيراً من أعضاء النهضة يتغاضى عن الاختلافات المهمّة التي تميّز الشباب عن الجيل الأكبر سنّاً الممثَّل بقيادة الحزب. فالنزعة الجديدة في التيار السلفي أكثر شباباً وتشدّداً من قياديي النهضة المنفيين، وأشدّ تأثراً منهم بالجهاد الدولي، وذلك انطلاقاً من تأثّرها بالمقاتلين الأجانب العائدين من العراق وأفغانستان، وفتاوى الأئمة السعوديين التي تُبَثّ عبر القنوات الفضائية، فضلاً عن وطأة القمع الذي تمارسه الدولة. في المقابل، ترى المعارضة العلمانية في تونس والمحلّلون الغربيون على السواء، أنّ التيار السلفي ظاهرة مستوردة، أو حركة تنضوي تحت رايتها تنظيمات جهادية دولية، الأمر الذي جعل كثراً يتجاهلون العوامل الاجتماعية والديمغرافية الفريدة التي تحفّز التعبئة السلفية داخل تونس. فبعد عقود من التهميش الاقتصادي والاجتماعي، ظهر جيل شاب ناقِم ومحروم من الفرص الاقتصادية، وقد تبيّن أنه أرض خصبة للتجنيد السلفي. ففي حين كان مبارك يسمح للسلفيين في مصر بالتبشير ونشر دعوتهم لأنها لم تكن سياسية، وكانت تُستخدَم كورقة مفيدة في مواجهة الإخوان المسلمين الأكثر توجّهاً نحو السياسة، كان نظام بن علي يقمع بشدّة مختلف مظاهر التديّن المحافظ. فقد زُجّ آلاف السلفيين الشباب التونسيين في السجون في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، الأمر الذي أدّى إلى جنوحهم أكثر نحو التشدّد وأتاح في الوقت نفسه فرصاً جديدة لنشر الدعوة والتجنيد في صفوف السجناء.

ساهمت الأبحاث الأخيرة في دحض بعض هذه الافتراضات، ورسمت صورة أوضح عن ديناميات التيار السلفي. لقد سلّط بعض الباحثين التونسيين الضوء على أهمّية الدور الذي أدّاه التهميش الاقتصادي والاجتماعي في تكوُّن التيار السلفي، وفي العداء الذي تظهره القواعد الشعبية السلفية حيال مؤسسات الدولة. ورأى آخرون أن السلفية تمثّل ثقافة فرعية فريدة من نوعها بالنسبة إلى الناشطين الإسلاميين الشباب في تونس، الذين يرفضون المشاركة في السياسة المؤسّسية لأنهم يجدونها منافقة وغير أخلاقية، ويفضّلون اللجوء إلى التحرّك المباشر وسياسة الشارع. الواقع هو أن رفض السلفيين السياسةَ المؤسّسيةَ متجذّرٌ في فلسفة التيار السلفي، وسوف يظل هذا الأمر يطرح عائقاً حقيقياً أمام الاندماج في العملية السياسية.

لاتلوح في الأفق بوادر تؤشّر على انتهاء دورة العنف قريباً في تونس. فالنزاع مع الجهاديين في جبل الشعانبي بلغ مستويات جديدة من الهمجية في الأسابيع الأخيرة، ولامؤشّرات على انحساره. ويمكن أن يزداد الصراع حدّةً في العاصمة تونس بعد سلسلة التفجيرات الأخيرة. لم تتّضح بعد هوية الجهة المسؤولة عن هذه الهجمات، إلا أنها ربما تدلّ على أن النشطاء السلفيين ينتقلون إلى مرحلة المواجهة الثأرية مع السلطات. وفي هذه الحالة، لن يقود ذلك سوى إلى مزيد من الإخفاق في أي محاولات قد تُبذَل مستقبلاً لإشراك السلفيين في العملية الديمقراطية، الأمر الذي سيؤدّي حكماً إلى مزيد من العنف: إنها حقاً آفاق مقلقة للعملية الانتقالية المضطربة في تونس.

كيفن كايسي باحث أول في "معهد القطب الشمالي" The Arctic Institute. عمِل في الأعوام الأربعة الماضية عالِماً اجتماعياً مع الجيش الأميركي، وأجرى في هذا الإطار بحوثاً استراتيجية وعملانية عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.