بعد حملات القمع العنيفة التي استهدفت الإخوان المسلمين في الأسابيع الماضية، يبدو أن مصر تشهد عودة الدولة الأمنية التي كانت قائمة قبل اندلاع الثورة. مما لاشك فيه أن يوم الرابع عشر من آب/أغسطس الجاري كان الأكثر دموية في تاريخ مصر الحديث. لكن التطوّرات الأخيرة لم تكن مفاجئة، فمنذ إطاحة الرئيس محمد مرسي، تسير البلاد بسرعة نحو السقوط مجدداً في السلطوية.

في أعقاب الانقلاب العسكري في الثالث من تموز/يوليو الماضي، سعى القادة العسكريون إلى إضفاء طابع مدني على الحكومة الانتقالية التي جرى تعيينها مؤخراً، وتقرَّر إجراء انتخابات تشريعية في شباط/فبراير 2014 بعد شهرَين على تنظيم استفتاء حول الدستور المعدَّل. وقد أصبح الفريق أول عبد الفتاح السيسي، قائد القوات المسلّحة، نائباً أوّل لرئيس الوزراء في مصر، كما احتفظ بمنصبه السابق وزيراً للدفاع. لكن مع استقالة محمد البرادعي من منصب نائب الرئيس بعد أقلّ من شهر على تسلّمه مهامه، تتداعى الواجهة المدنية للحكومة. فردّاً على الاضطرابات التي تعمّ البلاد، أُعيد العمل بقانون الطوارئ، الأمر الذي أدّى إلى توسيع سلطة الدولة وإضفاء طابع من الشرعية على انتشار الوحدات العسكرية في مواجهة التهديدات الداخلية. اللافت في هذا الإطار هو أن العودة إلى حال الطوارئ لم تلقَ مقاومة كبيرة. على النقيض تماماً، وفي حين أثار لجوء الدولة إلى العنف بطريقة غير متكافئة غضباً على المستوى الدولي، كان موضع قبول شديد في الداخل. وفيما شكّك البعض في صحّة التقارير عن المجازر، حمّل آخرون الإخوان المسلمين علناً مسؤولية العنف. وقد اصطفّت حركة "تمرّد" إلى جانب وسائل الإعلام الكبرى، وأثنت على قوّة عزيمة السيسي. وكانت جبهة الإنقاذ الوطني من أشدّ الداعمين للجيش. وكان لافتاً خصوصاً أن الثوّار حاولوا التقليل من شأن همجية القوى الأمنية، مع العلم بأنهم كانوا هم أنفسهم هدفاً لهذه الأجهزة قبل وقت غير بعيد.

منذ إطاحة محمد مرسي من الرئاسة، أحكم نموذج جديد قبضته على البلاد، بدعم من وسائل الإعلام المملوكة من الدولة والحكومة الانتقالية وحركة 25 يناير على السواء. وقد بُرِّرَت حملة القمع التي استهدفت الإخوان من خلال اللجوء إلى الخطاب القومي المتشدّد الذي يعتبرها شرّاً لابدّ منه من أجل بسط أمن الدولة من جديد. وقد أدّى هذا النموذج أيضاً إلى ترسيخ مخطّط الجيش عبر إضافة التهديدات غير العسكرية إليه. وساهم أيضاً في توسيع هامش المناورة المتاح أمام القوى الأمنية على المستوى المحلي، وفي منحها شرعية متجدِّدة في عيون المصريين. وقد تحوّل الدفاع عن الأمن القومي ذريعة مثالية لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية.

وقد جرى تدعيم هذه العملية عبر اللجوء إلى مصطلحات لغوية معيّنة تُصوِّر الإخوان المسلمين بأنهم تهديد للأمن القومي. سعت القوى الأمنية في الشارع إلى إضفاء شرعية على تحرّكاتها عبر السيطرة على الخطاب المحيط بالأحداث. ولهذه الغاية، شنّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة ووزارة الداخلية حملة دعائية قوية عن طريق وسائل الإعلام المملوكة من الدولة، وقد اتّهما الإسلاميين بإيواء عملاء أجانب في صفوفهم، ومن ثم بتخزين أسلحة في مواقع الاعتصامات. وربما شكّل خطاب السيسي المُتلفَز، في 24 تموز/يوليو الماضي، نقطة تحوّل في هذا الإطار، إذ لبّى الآلاف دعوته إلى التظاهر من أجل منحه تفويضاً لمواجهة "العنف والإرهاب".

على ضوء المقارنات الواضحة مع استراتيجية التأطير التي انتهجها نظام مبارك حيال المتظاهرين في ميدان التحرير في كانون الثاني/يناير 2011، يمكن القول بأن نعت الإخوان المسلمين بالتنظيم الإرهابي كان خطوة جريئة من جانب السيسي. لكن من المؤكّد أنها أثبتت نجاحها، إذ يبدو أن التطلّعات الشعبية من أجل تقرير المصير والحكم المدني قد تراجعت وحلّ مكانها الدفاع الوطني والمعركة ضد الإرهاب كشعارَين يُستخدمان من أجل حشد الدعم الشعبي. فضلاً عن ذلك، تبيّن أن نعت الآخرين بالإرهاب يساعد على توسيع هامش التحرّك المتاح أمام الدولة. فالسلطات لم تعد مضطرّة إلى حصر تحرّكها بنشر القوى الأمنية، إذ إنها تتعامل مع مجموعة مصنَّفة في خانة التنظيمات الإرهابية، وبالتالي مع مسألة مرتبطة بالأمن القومي. حتى إن المستشار الرئاسي مصطفى حجازي ذهب أبعد من ذلك في الخطاب الأمني معلناً "حرباً شاملة على الإرهاب"، وقد تلقّف معظم الأفرقاء السياسيين في مصر (بما في ذلك بابا الأقباط وحركة تمرّد) هذه العبارة وتبنّوها عبر تردادها في خطبهم.

فضلاً عن ذلك، ثمة محاولات واضحة لتوسيع نطاق التهديد الأمني وتصويره بأنه يشمل، إلى جانب الإخوان المسلمين، الأفرقاء الذين ينتقدون طريقة تعاطي القوى الأمنية مع الأزمة. وهكذا يتعرّض الصحافيون والمعارِضون إلى هجوم منهجي ومنظَّم من جانب وسائل الإعلام المملوكة من الدولة التي تنعتهم بالخونة، أو يُهدَّدون بملاحقتهم في دعاوى قضائية. يعبّر هذا الخطاب القومي المتشدّد عن مفهوم حصري للهويّة المصرية يستثني شريحة أساسية من المجتمع المصري تتمثّل بالإخوان المسلمين ومؤيّديهم.

لقد أدّت هذه المعطيات إلى صعود نبوءة ذاتية التحقيق: عزلة الإسلاميين هي التي يمكن أن تشكّل الآن أرضاً خصبة للتطرّف. يولّد انتهاك الحريات المدنية مقاومةً على الدوام، ويزداد احتمال اللجوء إلى العنف عندما تكون القنوات المؤسّسية للتعبير عن الاستياء معطَّلة. بالنسبة إلى الإخوان المسلمين، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه: لقد بدأ قادتهم يقارنون حملة التضييق التي يتعرّضون إليها في الآونة الأخيرة بالقمع الذي عانوا منه في عهد عبد الناصر. ففي سجون الدكتاتورية العسكرية الأولى، طوّر سيد قطب، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، الأساس الأيديولوجي الذي ألهم الحركات الجهادية المعاصرة. وفي الأسابيع الماضية، انطبع جيل كامل من النشطاء الإسلاميين بالتجارب العنفية. ومن المستبعد أن يواصلوا السعي إلى تحقيق أهدافهم داخل الإطار الهيكلي للمؤسسات السياسية بعدما أدّت المواجهات الدموية إلى سقوط عدد كبير من القتلى. على العكس، سوف تستفيد الفصائل الجهادية، داخل جماعة الإخوان المسلمين وخارجها، من الظهور في صورة الضحية. كما أن جنوح الإسلاميين نحو التطرّف يصبّ بدوره في مصلحة القيادة العسكرية المصرية إذ يمنحها ذريعة أساسية لتمديد العمل بقانون الطوارئ، من جملة إجراءات أخرى.

مما لاشك فيه أن الضحية الأكيدة لأحداث رابعة العدوية هي الانتقال الديمقراطي في البلاد. لقد صدّق المعسكر العلماني بسهولة كبيرة الرواية الأمنية، فأفسح في المجال، عن غير دراية، أمام عودة النزعة السلطوية. حتى في الوقت الحالي، لايزال الثوّار المصريون يغمضون عيونهم على مايبدو ويأملون في تحسّن الأوضاع. إلا أنه يتبيّن للقلّة التي تواجه بينهم الدولة الأمنية وخروقاتها، أنه عند ركوب النمر، يصعب النزول عنه.

يانيس غريم باحث في مشروع المعهد المتوسّطي – برلين (MIB) في جامعة هومبولت في برلين، وباحث مساعد في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP).

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.