أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عند اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011، أنه "يمدّ يد إسرائيل إلى الشعب السوري واللبناني والإيراني... مع التطلّع بإعجاب شديد إلى مَن يواجهون القمع الهمجي". لكن بعد أقل من شهر، قال نتنياهو إن موجة إسلامية - أي مناهِضة للغرب واللبيرالية وإسرائيل، وبالتالي مناهضة للديمقراطية - تجتاح البلدان العربية.

نظراً إلى تسارع الأحداث الميدانية، باشرت القيادة الإسرائيلية إعادة تقييم موقفها من التطوّرات. وقد كان على أجهزتها الاستخباراتية أن تبحث في البدائل الممكنة عن النظام القائم في سورية في حال تمّت إطاحة الأسد، ومايمكن أن يعقبها من تطوّرات على المستوى الأمني. لقد قرّرت إسرائيل، في تعاطيها مع الملف السوري، الابتعاد عن مبدأ "عدو عدوّي هو صديقي"، لأن جميع الأفرقاء الضالعين في النزاع معادون للدولة اليهودية.

في السابق، ومع أن سورية وإسرائيل هما في حالة حرب رسمياً، نجح النظام السوري في احترام الخطوط الحمراء التي وضعتها القيادة الإسرائيلية. وقد تطوّرت الثقة غير المعلَنة بين النظامَين، وظلّ الهدوء مستتبّاً على الحدود الإسرائيلية-السورية منذ العام 1973. لكن، وإن نجح آل الأسد إلى حدٍّ كبيرٍ في الحفاظ على شكل من أشكال الهدوء على طول الحدود مع إسرائيل، يمكن أن يُعَدّ انتصار الأسد في حربه مع المعارضة انتصاراً لحزب الله وإيران اللذين ينشطان حالياً في القتال في الحرب السورية. كما أنه يُتيح لإيران تعزيز نفوذها في المنطقة، ويزيد من تهديدها لإسرائيل.

وليست المعارضة بديلاً أفضل بالنسبة إلى إسرائيل، نظراً إلى سيطرة المجموعات الإسلامية المسلّحة والعدائية على قوّات المعارضة السورية. فقد علّق رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، المايجور جنرال أفيف كوخافي، على الأمر بالقول: "على مرأى منّا يتطوّر معقلٌ للجهاد العالمي على نطاق واسع يمكن أن يؤثّر في حدود دولة إسرائيل". وتتخوّف إسرائيل في شكل خاص من احتمال وصول الأسلحة الكيميائية السورية إلى أيدي المتشدّدين الإسلاميين. وفي هذا الإطار، يُتوقَّع الانتهاء هذا الشهر من بناء جدار عازل على طول الجزء الأكبر من الحدود الإسرائيلية-السورية لمنع المجموعات الراديكالية من عبور الحدود ومهاجمة المواطنين أو الجنود الإسرائيليين.

ماذا يمكن أن تفعل إسرائيل لمواجهة التهديدَين؟ قد يكون النزاع المطوَّل الذي يلحق أكبر قدر ممكن من الدمار بالطرفَين، السبيل الأفضل لضمان أمن إسرائيل ومستقبلها. أولاً، تولّد الحرب شعوراً معادياً لإيران في بعض المناطق السورية والعالم العربي، الأمر الذي يقود إلى اصطفاف غير مقصود يجمع بين البلدان العربية وإسرائيل ويُحوِّل الأنظار عن النزاع العربي-الإسرائيلي. ثانياً، يتسبّب النزاع السوري باستنفاد الموارد الإيرانية التي تتعرّض أصلاً لضغوط بسبب العقوبات. يشارك بضعة آلاف من مقاتلي حزب الله في المعارك في سورية، وعدد كبير من مقاتلي الحزب الذين خاضوا مواجهات مع إسرائيل طيلة عقدَين، إما لقوا حتفهم وإما أصيبوا في الأراضي السورية. إذا استمرّ النزاع لفترة طويلة، فسوف تصبح سورية على الأرجح بمثابة فيتنام بالنسبة إلى إيران، الأمر الذي يلقي بعبء شديد على الموارد الإيرانية وكذلك موارد حزب الله ويتسبّب باستنزافها. ثالثاً، مادام النزاع مستمراً في سورية، لن تواجه إسرائيل ضغوطاً للتخلّي عن مرتفعات الجولات التي تحتلّها منذ العام 1967.

لقد أحدث الربيع العربي تغييراً كبيراً في المناخ السياسي والاستراتيجي الذي يحول بإسرائيل. فهو لم يؤدِّ فقط إلى سقوط بعض حلفاء إسرائيل وظهور أنظمة جديدة أقل ميلاً إلى إقامة علاقات معها، بل أضاف أيضاً عاملاً جديداً إلى عملية صنع القرارات في الدول العربية، يتمثّل في إرادة الشعب التي قد ترفض الترتيبات الأمنية مع إسرائيل.

حيان دخان طالب دكتوراه في جامعة سانت أندروز، مركز الدراسات السورية في سكتلاندا، المملكة المتحدة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

للإطلاع على وجهة نظر مختلفة عن هذا الموضوع اتجه الى مقال عود رعنان "خسارة في كل الأحوال".