بعد عامَين على تحرير ليبيا رسمياً في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011، تظهر دولة مختلفة جداً عن تلك التي تصوّرها مشروع الدستور المعروف بـ"الميثاق الوطني للدولة الليبية"، الذي ينصّ على أن جميع الليبيين سواسية أمام القانون ويتمتّعون بحقوق مدنية وسياسية متساوية للجميع. فالقرارات الأولى التي صدرت عن المجلس الوطني الانتقالي حملت معها تباشير المرحلة المقبلة. على الرغم من تأدية النساء دوراً ناشطاً في الثورة، أصيب الناشطون المدافعون عن حقوق المرأة بالاستياء الشديد عندما عيّن الثوّار امرأة واحدة، سلوى فوزي الدغيلي، في المجلس الوطني الانتقالي لدى تشكيله في آذار/مارس 2011. وانضمّت إليها في أيار/مايو من العام نفسه هنية القماطي؛ إلا أنهما بقيتا حتى انتهاء الثورة السيّدتَين الوحيدتين في المجلس الانتقالي المؤلّف من 40 عضواً. وقد أثار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي، مخاوف بشأن حقوق المرأة وأدوارها في ليبيا بعد القذافي، عندما أشار في تشرين الأول/أكتوبر 2011 إلى أن القانون الذي يفرض قيوداً على تعدّد الزوجات، والذي كان مطبَّقاً في عهد القذافي، مناقضٌ للشريعة ويجب إبطاله.

وعلى مشارف انتخابات المؤتمر الوطني العام في تموز/يوليو 2012، اتّخذ المجلس الوطني الانتقالي العديد من القرارات المثيرة للجدل، وكان الهدف الأساسي منها تهدئة مخاوف أنصار الفدرالية الذين يطالبون بحكم ذاتي في شمال شرق ليبيا، وكذلك طمأنة المجموعات الإسلامية المتنوّعة، ومنها الإخوان المسلمون ومجموعة مفكّكة من التنظيمات السلفية. وعندما اقترحت مسودّة قانون الانتخابات في كانون الثاني/يناير 2012 تخصيص كوتا للنساء بنسبة 10 في المئة، واجه الاقتراح معارضةً من الإسلاميين، فتم التخلّي عنه ونصّ القانون بدلاً من ذلك على مبدأ التناوب بين المرشحين من الذكور والمرشحات من الإناث. بعدما كشف الفدراليون في مطلع آذار/مارس 2012 عن خطط لإقامة إقليم فدرالي يتمتّع بحكم ذاتي في برقة، أعلن المجلس الوطني الانتقالي أن مقاعد اللجنة الدستورية ستتوزّع على أساس 20 مقعداً لكل من برقة وفزان وإقليم طرابلس، بدلاً من أن يستند توزيع المقاعد إلى عدد السكان في تلك المناطق الثلاث. في أواخر نيسان/أبريل الماضي، تخلّى المجلس الانتقالي أيضاً عن الحظر الذي فرضه القانون الانتخابي على الأحزاب الإثنية والقبلية والدينية، أيضاً بسبب الاعتراضات من المجموعات الإسلامية. أخيراً، وإزاء تصاعد الضغوط الفدرالية، عمد المجلس الوطني الانتقالي إلى تعديل الميثاق الوطني للدولة الليبية كي ينص على الانتخاب المباشر للجنة الستين المكلفة إعداد الدستور الجديد، بدلاً من تعيينها من قبل المؤتمر الوطني العام. وقد اتُّخِذ هذا القرار قبل يومين فقط من انتخابات المؤتمر الوطني العام، فلم يبقَ هناك متّسع من الوقت للنقاش أو السجال، كما أنه أدّى إلى توسيع العملية السياسية ودفعها باتجاه إجراء انتخابات نيابية ورئاسية على مستوى البلاد. وفي حين دعا الميثاق الوطني للدولة الليبية إلى تنظيم الانتخابات الوطنية في أواخر 2013، لن يكون بالإمكان إجراؤها قبل نهاية 2014، ما يمنح الفدراليين والإسلاميين على وجه الخصوص وقتاً إضافياً للعمل على تطبيق أجنداتهم.

وفي المرحلة التي سبقت انتخابات المؤتمر الوطني العام، أُسِّسَت كوكبةٌ من المنظمات غير الحكومية للدفاع عن حقوق المرأة، وقد ساهمت جهودها في تحقيق زيادة كبيرة في مشاركة المرأة في الميدان السياسي، مع ترشّح 600 امرأة للانتخابات. وقد نجحت 33 امرأة في الوصول إلى المؤتمر الوطني العام المؤلّف من 200 عضو؛ إلا أن الحكومة الانتقالية التي شُكِّلَت إثر الانتخابات لم تضمّ سوى امرأتين فقط من أصل 33 وزيراً. أظهرت نتائج الانتخابات إذاً إحراز بعض التقدّم في حقوق المرأة، لكنها لم تصل إلى حدّ إحداث تحوّل جوهري في المواقف من دور المرأة في الحياة العامة. وخلال تسليم السلطة السياسية من المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام في آب/أغسطس 2012، أثار عبد الجليل مرّة أخرى غضب المدافعين عن حقوق المرأة عندما أساء إلى سارة المسلاتي التي كانت تتولّى تقديم حفل التسلّم والتسليم، وطلب منها مغادرة القاعة بعد خروج إسلامي بارز احتجاجاً على عدم ارتدائها الحجاب.

في العام التالي، التقت المجموعات الإسلامية في شكل خاص على دعم الخطوات الهادفة إلى إحباط جهود الليبيات اللواتي يسعَين إلى الاضطلاع بدور أكثر نشاطاً في المجتمع. ففي شباط/فبراير 2013، نقضت المحكمة العليا القانون 10 الذي كان مطبّقاً في عهد القذافي ويفرض على الزوج الحصول على موافقة زوجته الأولى قبل عقد قرانه على امرأة ثانية. وقد ندّد بعض المدافعين عن حقوق المرأة بهذا القرار، لكنه لقي قبولاً في بعض الأوساط النسائية في ليبيا لأنه ينسجم مع الشريعة. يوافق عدد كبير من المدافعين عن حقوق المرأة على جعل الشريعة أساساً للدستور الجديد، ولايرَون - أو على الأقل يدّعون أنهم لايرَون - تناقضاً كبيراً بين اعتماد الشريعة مصدراً أساسياً للتشريع وبين المطالب التي يرفعونها من أجل تحقيق المساواة بين الجنسَين. ويقولون إن مايخشونه فعلياً هو الطريقة التي سُتفسَّر بها الشريعة وتُطبَّق. 

في آذار/مارس 2013، تضاعفت مخاوف المدافعين عن حقوق المرأة بعدما أصدر المفتي الشيخ صادق الغرياني، المرجع الديني الأعلى في ليبيا، فتوى ضد وثيقة الأمم المتحدة عن مكانة المرأة، معتبراً أنها تتعارض مع الشريعة الإسلامية. وقد انتقد خصوصاً مساواة الوثيقة بين الرجل والمرأة، وأحكامها عن الميراث، وماورد فيها عن الحريات الجنسية وحقوق الأولاد الذين يولدون خارج نطاق الزوجية. وفي وقت لاحق من الشهر عينه، طالب الغرياني الحكومة بمنع النساء الليبيات من عقد قرانهنّ على أجانب. ثم دعا الحكومة في نيسان/أبريل إلى حظر الاختلاط بين الرجال والنساء في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل معتبراً أنه يشجّع السلوك اللاأخلاقي. 

وفي أيار/مايو 2013، أصدر المؤتمر الوطني العام، تحت تأثير الضغوط من المجموعات المسلّحة، قانون العزل السياسي الذي ينصّ على منع كل مَن عملوا مع نظام القذافي من تولّي مناصب عامة طيلة عشر سنوات. وقد تبيّن أنه من الصعب تحديد عدد الأشخاص الذين يطالهم القانون؛ إلا أن رئيس الوزراء السابق محمود جبريل أشار إلى أن القانون يمكن أن يؤدّي إلى إقصاء خمسمئة ألف شخص من وظائف الدولة والحياة العامة. وقد اعتُبِر إقرار القانون انتصاراً كبيراً لحزب العدالة والبناء التابع للإخوان المسلمين وللأحزاب الإسلامية الأصغر حجماً، لأنه يمكن أن يمنحها غالبية أكبر في مجلس النواب في الانتخابات المقبلة. وانطلاقاً من التجربة العراقية، حيث أدّت خطة اجتثاث البعث التي دعمتها الولايات المتحدة إلى تجريد عشرات الآلاف من أنصار صدام حسين من وظائفهم وإشعال التمرّد طيلة سنوات، يتبيّن أن قانون العزل غير مدروس ويقوّض الحقوق والحريات الديمقراطية في صميمها.

وتقدّم تركيبة لجنة الستّين مثالاً آخر على النزعة الحالية لحرمان النساء من حقوقهنّ، ذلك أن هذه اللجنة لاتملك صفة جامعة ولاتمثيلية لمختلف الفئات. انطلاقاً من التوزيع الجغرافي في الإحصاء السكّاني الأخير (2006) وعدد السكّان الذي يبلغ حالياً حوالى ستة ملايين نسمة، حصل إقليم طرابلس (تريبوليتانيا) على ممثّل واحد في اللجنة عن كل 190900 نسمة، وإقليم برقة على ممثّل واحد عن كل 85500 نسمة، وإقليم فزان على ممثل واحد عن كل 23431 نسمة. تشكّل النساء نحو نصف السكان في ليبيا، وقد طالبن بـ15 مقعداً على الأقل في اللجنة، إلا أنهنّ لم يحصلن سوى على ستّة مقاعد. وتعاني الأقليات الإثنية على غرار الأمازيغ (البربر) والتبو والطوارق أيضاً من النقص في التمثيل في اللجنة، وقد انسحبت من العملية الدستورية تعبيراً عن احتجاجها. ونظراً إلى الآلية غير الشفافة التي اعتُمِدت في تشكيل لجنة الستين التي تُقصِّر عن تمثيل شرائح واسعة من السكّان، من المستبعد إلى حد كبير ظهور مسار جامع وشفّاف ومنظَّم لإعداد مسودة الدستور. ويأتي القرار الأخير باعتماد مبنى البرلمان القديم في مدينة البيضاء مقراً للجنة الستّين، أي على مسافة بعيدة عن غالبية الليبيين ولكن في قلب الإقليم الشرقي حيث تسود المشاعر الفدرالية، وفي منطقة حيث يتمتّع الإخوان المسلمون بدعم قوي، ليزيد من الهواجس بشأن شفافية الللجنة وشرعيتها وقدرتها على تمثيل مختلف الأطراف.

وليس قرار تغييب أكثر من نصف الليبيين، ولاسيما النساء، عن التمثيل الحقيقي في لجنة الستّين سوى المثل الأحدث على مواقف وسلوكيات المجموعات الإسلامية وحلفائها الذين يزدادون جرأة في ترهيب النساء، ويُهدّدون بإعادتهنّ إلى هامش المجتمع. تُوزَّع منشورات تنادي بأهمية ارتداء الحجاب، في مختلف أنحاء ليبيا، وتتعرّض القاضيات والمحاميات إلى حملة قوية من أجل حصر مزاولتهنّ المهنة بالقانون الأسري، لابل إبعادهنّ تماماً عن السلك القانوني. وتُضطَّر لاعبات المنتخب الوطني لكرة القدم النسائية إلى التدرّب في الخفاء بعد تعرّضهنّ إلى تهديدات من الإسلاميين، كما أنهنّ مُنِعنَ من المشاركة في بطولة تموز/يوليو 2013 في ألمانيا، بسبب تزامنها مع شهر رمضان بحسب البيان الرسمي، بل أيضاً بسبب اعتراض الإسلاميين على المشاركة. 

فيما يركّز الجزء الأكبر من العالم، لأسباب مفهومة، على المسائل الأمنية وماينجم عنها من خلل في إنتاج النفط والغاز في ليبيا، لايتم إيلاء اهتمام كافٍ لسلسلة من الأحداث التي تؤدّي تدريجاً إلى القضاء على مسارٍ سياسي بدا قبل عامَين أنه يحمل في طيّاته بذور نموذج للحكم الديمقراطي في المنطقة. لاشك في أن بسط الأمن من جديد وإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد مسألتان أساسيتان في المدى القصير، لكن تسوية المسائل الأكبر المرتبطة بالشرعية والشفافية وإشراك جميع الأطراف والمساواة والإجماع، سوف ترتدي، في المدى الطويل، أهمية أكبر بكثير بالنسبة إلى الليبيين والعالم الخارجي. يجب أن يلتزم الميثاق الوطني للدولة الليبية بالديمقراطية والسيادة الشعبية وحماية حقوق الإنسان، وهو ما لايمكن أن يتحقّق إلا من خلال دستور دائم ينص على أن جميع الليبيين، بمَن فيهم النساء، سواسية أمام القانون ويضمن لهم كامل حقوقهم المدنية والاقتصادية والسياسية.

وضع رونالد بروس ساينت جون 21 كتاباً ودراسة، منها ثمانية عن ليبيا. كان عضواً في مجموعة العمل حول ليبيا التابعة للمجلس الأطلسي، وفي الهيئة الاستشارية الدولية في "مجلة الدراسات الليبية" The Journal of Libyan Studies.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.