تحتاج ليبيا، في طريقها الطويل نحو التعافي من حقبة القذافي، إلى بناء قوى أمنية فاعلة ومسؤولة من أجل توليد الأمان والاستقرار الضروريَّين للتنمية والنمو. الجيّد أن الشركاء الدوليين يدركون هذا الأمر ويلتزمون علناً بدعم ليبيا في هذا المجهود. وقد انطلقت في الأشهر الأخيرة خططٌ لإنشاء قوة ليبية للأغراض العامة، في مايمكن أن يشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن نجاح هذه القوة في النهوض بمهامها يقتضي تجاوز العديد من المطبّات.

لاتزال التفاصيل المتعلقة بتشكيل هذه القوة ضبابية، لكن الخطوط العريضة واضحة. فبناءً على طلب رئيس الوزراء الليبي علي زيدان، وافق الشركاء الدوليون في مجموعة الثماني وخارجها - من ضمنهم المملكة المتحدة والولايات المتحدة - على تدريب قوّة عسكرية يمكن أن تتألّف من عشرين ألف ليبي. سوف تتدرّب الأفواج في وحدات صغيرة - السَريّة هي الوحدة الأكبر - مؤلَّفة من قوات برية وضباط صغار وضباط صف كبار. وبعد انتهاء الفترة التدريبية الممتدّة من 6 إلى 12 أسبوعاً، تنتشر الوحدات بجميع عناصرها لتنفيذ عمليات لم تُحَدّد طبيعتها بعد، في مختلف أنحاء ليبيا.

تواجه هذه الخطة التي تولّد انطباعاً خاطئاً بأنها واضحة المعالم، تعقيدات عدّة. ثمة صعوبات على صعيد التطبيق. فإحدى المسائل المطروحة تتعلّق بالمكان حيث ستتدرّب القوة الليبية للأغراض العامة. قد يكون التدريب داخل ليبيا الخيار المفضّل لناحية الكلفة واللوجستيات والعزّة الوطنية، لكن القيود المفروضة على تواجد القوات الأجنبية وأوجه القصور في حماية القوات الأمنية والعسكرية قد تحول دون إمكانية إجراء التدريب داخل البلاد. فقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن القوات الليبية لاتزال عاجزة عن حماية نفسها سواء على مستوى العتاد أو الأشخاص.

والتحدّي الآخر يتعلّق باختيار الأشخاص الذين سيخضعون إلى التدريب بهدف الالتحاق بالقوة الليبية للأغراض العامة. من الضروري التدقيق في مقدّمي الطلبات وغربلتهم - داخل ليبيا على الأرجح - حتى ولو كان الهدف فقط استبعاد أي إرهابيين يمكن أن يتسلّلوا إلى القوة. إلا أن عملية اختيار المتدرّبين يمكن أن يشوبها التسييس. ليس كل الثوّار الجيّدين جنوداً جيّدين، لكن إقصاء عناصر الميليشيات قد يؤدّي إلى تفاقم التعصّب الحزبي والفئوي، على الرغم من الخطط الهادفة إلى استعمال عملية الغربلة والتدقيق من أجل الجمع بين جنود قادمين من مناطق مختلفة ضمن الوحدات.

من الأسئلة المطروحة أيضاً، كيف ستندمج القوة الليبية للأغراض العامة في السياق العسكري القائم في البلاد؟ قد يؤدّي استمرار الحظر على الأسلحة إلى الحد من المعدات والتجهيزات المتوافرة للقوّة الوليدة، في حين أن وضع مئة سَريّة مدرَّبة حديثاً في إطار هيكلية يقودها ضباط كبار من حقبة القذاقي يحمل في طياته خطر حدوث عصيان في صفوف الجنود واحتكاك بين الأجيال المختلفة من الضباط.

على الرغم من جدّية هذه الصعوبات التي تعترض التطبيق، تبدو صغيرة أمام المطبّات الأكثر خطورة التي تواجهها القوة الليبية للأغراض العامة على مستوى مفهومي. حتى الآن، تبدو الخطط الهادفة إلى تشكيل القوة الليبية للأغراض العامة غير مرتبطة ببرنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وبرنامج إصلاح القطاع الأمني، اللذين يُعتبران حيويَّين لمستقبل ليبيا. ربما تحاول القوة الليبية للأغراض العامة معالجة مسألة انتشار الميليشات في ليبيا، إلا أن إقصاء عناصر هذه الميليشيات قد يؤدّي في نهاية المطاف إلى عزل القوة عن الوقائع الأمنية في البلاد.

كذلك تطرح مهمّة القوة الليبية للأغراض العامة تحدّياً مفهومياً. فما هي بالضبط "الأغراض العامة" للقوة؟ قد تبدو العبارة وكأنها تعني "كل الأغراض"، لكن ليست هناك من قوّة أمنية شاملة. وهذا المصطلح الذي يبدو مبتذلاً في الظاهر لديه في الواقع تاريخٌ طويل من المعنى المحدّد، فالمقصود عادةً بمصطلح "قوة للأغراض العامة" هو قوة عسكرية نظامية، ولاسيما بالمقارنة مع القوة غير التقليدية مثل الإمكانات النووية. ربما تحتاج ليبيا في الواقع إلى هذه الكفاءة العسكرية الأساسية، لكن القوة النظامية لاتكون مجهّزة كما يجب للاضطلاع بمهام الشرطة والدرك أو لمواجهة المشاكل الملحّة التي تطرحها حالياً التهديدات العابرة للأوطان، ولهذا تعمد الدول الخمسون الأكثر إنفاقاً على الدفاع في العالم - ومنها المغرب، والجزائر ومصر المجاورتان لليبيا - إلى خفض الإنفاق على قوات الأغراض العامة فيما تزيد استثماراتها في قوات العمليات السبرانية والخاصة.

فضلاً عن ذلك، حتى لو كانت القوة الليبية للأغراض العامة قوّة عسكرية نظامية، سوف تتأثّر بظروف ومقتضيات خارجة عن نطاق مهمّتها. فغالب الظن أن الشركاء الدوليين سيدرّبون عناصر القوة لا انطلاقاً من احتياجات ليبيا ومتطلّبتها وحسب، بل أيضاً وفقاً لإملاءات سلطاتهم وتخصّصاتهم ومصالحهم. قد تعرض تركيا وإيطاليا، الشريكتان المحتملتان، مشاطرة خبراتهما في قطاع الدرك؛ أما الولايات المتحدة فعلى الأرجح أنها ستقدّم الدعم في مجال مكافحة الإرهاب، فضلاً عن تدريب القوات الخاصة الليبية على مستوى ثنائي. ويبدو أن الحكومة الليبية وافقت من جهتها على إنشاء قوة الأغراض العامة لأسباب سياسية داخلية في شكل خاص. فالقوة العسكرية النظامية هي الخيار الأقل إثارة للانقسام والأكثر استساغةً بين الأفرقاء السياسيين الليبيين في الوقت الحالي، وقوة الأغراض العامة هي فعلاً "القاسم المشترك الأدنى". 

في المدى الطويل، ستكون خدمة البلاد ومصالحها الاستراتيجية التحدّي المفهومي الأساسي المطروح على القوة الليبية للأغراض العامة. تفرض الانتفاضات الثورية إعادة النظر في القوى الأمنية، وأمام ليبيا فرصة تاريخية لإعادة النظر في استراتيجيتها للأمن القومي. فعلى سبيل المثال، قد تعيد ليبيا إرساء توازن في استثماراتها في القوات البحرية وخفر السواحل بعد خسارة الكثير من الأصول البحرية باهظة الثمن. إلا أن تشكيل قوّة للأغراض العامة من دون معرفة علّة وجودها يقود إلى الفشل. قد يقول البعض إن التهديدات التي تواجهها ليبيا ملحّة جداً وإن التدريب العسكري يستغرق وقتاً طويلاً، ولذلك يجب أن تبدأ قوة الأغراض العامة عملها على الفور، حتى لو لم تكن لليبيا بعد استراتيجية للأمن القومي ولا حتى دستور. لكن لايمكن تفادي بعض المسائل الجوهرية: ماهي الجهة التي سيقسم الجنود في القوة الليبية للأغراض العامة، الولاء لها إزاء التشوّش الكبير في المنظومة السياسية الليبية؟ ولايمكن أيضاً الإفادة من بعض المنافع المصاحبة عادةً للجيوش القوية، فالسؤال المطروح هو كيف ستُعزّز قوة الأغراض العامة الهوية الوطنية الليبية إذا كانت قيمتها بالنسبة إلى البلاد لاتزال غير محدّدة المعالم؟

في ظل هذه الظروف، تلوح في الأفق سيناريوهات مختلفة بالنسبة إلى مستقبل القوة الليبية للأغراض العامة. الكلام عن أن القوة ستتحوّل تدريجاً نحو الاضطلاع بدور منفصل تُحدّده الاستراتيجية الليبية للأمن القومي، أو عن أن القوة قد تنمو وتنبثق عنها مجموعة من الأجهزة الأمنية الفاعلة بعد بضع سنوات، هو مجرّد تفكير بالتمنّي. فمن شأن قوّة مسلّحة تُشكَّل خارج إطار استراتيجية للأمن القومي، ومن دون أي ارتباط ببرنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وبإصلاح القطاع الأمني، أن تتحوّل إلى شيئ مألوف جداً في أفريقيا والشرق الأوسط، ألا وهو قوّة عسكرية تُستخدَم لحماية النظام من مواطنيه. فقد تتحوّل القوة الليبية للأغراض العامة، كما حذّر البعض، إلى مجرد ميليشيا أخرى - ميليشيا حكومية إذا صحّ التعبير - في المشهد الأمني المفكّك أصلاً في ليبيا.

القوة الليبية للأغراض العامة مشروعٌ قيد التحضير. المطبّات كثيرة، إلا أن الوقت لايزال سانحاً لمعالجتها، وربما لتجنّبها. إذا جرى التخطيط بحكمة للقوة الليبية للأغراض العامة واستخدامها كما يجب، فقد تساهم في وضع وطن مأزوم على السكّة نحو التقدّم.

بنجامين نيكلز أستاذ مشرف على مادة التهديدات العابرة للأوطان ومكافحة الإرهاب في مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية. الآراء الواردة هنا تعبّر عن وجهة نظره الشخصية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.