فريدريك ويهري، باحث كبير في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومؤلّف "السياسة المذهبية في الخليج: من حرب العراق إلى الانتفاضات العربية".

غالباً مايوضَع المأزق الحالي الذي تتخبّط فيه البحرين في إطار نزاعٍ مذهبي يطال المنطقة ككل أو يُنظَر إليه بأنه بيدق في الشطرنج الجيوسياسي بين إيران والسعودية. من الواضح أن هذه الرواية تخدم الحكومة البحرينية ورعاتها السعوديين: فعبر تحميل إيران مسؤولية الاضطرابات، يتملّصون من مسؤولية معالجة الأسباب الاقتصادية والسياسية الكثيرة التي تقف خلف صعود الموجة الاعتراضية.

يعتبر عدد كبير من المسؤولين البحرينيين أن الاحتجاجات المتواصلة في الضواحي الشيعية في المنامة تندرج في إطار مخطط إيراني للثأر من الدعم الخليجي للانتفاضة ضد الأسد في سوريا. قال لي مسؤول كبير في وزارة الخارجية البحرينية في العام 2012 "تقرصني هنا، فأقرصك هناك". وقد عبّر المتشدّدون في النظام عن موقف مماثل، إذ أكّد القائد العام لقوة دفاع البحرين، المشير الركن خليفة بن أحمد آل خليفة، مراراً وتكراراً أن القوات المناهضة للأسد تمثّل الانتفاضة الشعبية المحلية المنشأ والحقيقية الوحيدة في العالم العربي؛ في حين أن الثورات الأخرى في مصر وتونس، وفي شكل خاص البحرين، هي من نتاج التحريض الخارجي.

وذهب أفرقاء سنّة آخرون في البحرين، بدعم ضمني من الحكومة على مايبدو، خطوات أبعد في إضفاء طابع إقليمي ومذهبي على الأزمة التي تعاني منها الجزيرة. فقد قام نوّاب سلفيون بارزون من جمعية الأصالة بزيارة الجيش السوري الحر لتقديم مساعدات إنسانية للمستشفيات والملاجئ. فاعتبر معلّقون شيعة أن الزيارة مثيرة فعلاً للاستغراب، لأن الحكومة البحرينية تلجأ عادةً إلى التدقيق بشدّة في نقل التبرعات الخيرية الشيعية (الخُمس) إلى خارج البحرين وتعتمد إجراءات مشدّدة لتنظيمها. وظهرت في مطلع ومنتصف عام 2013 أدلّة إضافية بأن دعم الأصالة للجهاديين السوريين أصبح أقوى وأكثر نظامية، مع ورود تقارير بأن خمسة سلفيين بحرينيين لقوا مصرعهم أثناء القتال إلى جانب الجهاديين السوريين المنتمين إلى جبهة النصرة. على الرغم من أن وزارة الخارجية البحرينية نأت بنفسها عن هذه الأنشطة وحضّت البحرينيين على تفادي السفر إلى مناطق النزاع، وجّه المعلّقون الموالون للحكومة انتقادات لاذعة للشيعة على خلفية انتقادهم للزيارة التي قام بها النواب السلفيون إلى سوريا، معتبرين أنه دليل آخر على غدرهم و"تعصّبهم المذهبي" ودعمهم لنظام الأسد.

وانزلق المسؤولون والمعلّقون الغربيون أيضاً نحو رواية مذهبية وجيواستراتيجية تركّز على دور كل من إيران والسعودية في تحريك البيادق، مع التعتيم على مسؤولية الأفرقاء المحليين. والمثل الأوضح على ذلك ماقاله الرئيس أوباما عن "التشنّجات المذهبية" في الجزيرة في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وقد لفت آخرون إلى قدرة إيران على "إثارة الاضطرابات" في البحرين، إذا مال توازن القوى في المنطقة بطريقة تتعارض مع مصالحها. لكن على الرغم من هذه الاتهامات، ليست هناك أدلة وافية تثبت أن إيران تقدّم الدعم المالي أو الفتّاك للمعارضة البحرينية - أو أنها تسعى إلى القيام بذلك بأسلوب شبيه باستراتيجيتها السرية في العراق أو لبنان أو سوريا. أما في مايتعلق بالمذهبية، فهي عارضٌ من عوارض المأزق الذي تتخبّط فيه الجزيرة، ووليدة السياسات التي ينتهجها النظام، وليست المحرّك الأساسي للأزمة. فالأسباب الحقيقية تكمن في عجز الديمقراطية، والفساد، والتوزيع غير العادل للرأسمال الاقتصادي. أخيراً، لاشك في أن الرياض تمارس سلطة على سياسة الجزيرة والمسار الإصلاحي فيها. لكن غالباً مايُستعمَل هذا التأثير لإبعاد المسؤولية عن سوء الحكم والتكتيكات القمعية التي يلجأ إليها آل خليفة.

من أجل التقدّم في تحقيق إصلاحات ملموسة، من الضروري أن تفصل جميع الأطراف المشاكل السياسية للبحرين عن الإطار التحليلي للعداء الإيراني-السعودي، أو عن التشنّجات الأوسع نطاقاً بين السنّة والشيعة. كما أن ذلك قد يُتيح للولايات المتحدة أن تُقيِّم بشكل أفضل الأثمان التي تتكبّدها جراء الإبقاء على أصول وعناصر بشرية أميركية في الجزيرة التي ينهار استقرارها أكثر فأكثر.