يسعى حزب الأصالة والمعاصرة – الذي أسسه فؤاد عالي الهمة الوزير المنتدب السابق في الداخلية حيث كان مكلفاً بقضايا الأمن بصفة غير رسمية – إلى ترميم صورته التي تضررت خلال العام 2011 بعد اتهامات بإفساد الحياة السياسية. هذا الترميم يتم من خلال الظهور بوجه أكثر نضجاً ومسؤولية في تعامله مع حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، مقارنة مع أحزاب المعارضة الأخرى لاسيما حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي اللذين تبنيا نزعة هجومية ضد الحزب الحاكم في الآونة الأخيرة.

ترجع مصادر قوة حزب الأصالة والمعاصرة إلى ارتباط تأسيسه بفؤاد عالي الهمة، الذي اعتبره البعض الصدر الأعظم للعهد الجديد. ويَسنُد هذا التصور أيضاً من الناحية العملية تمكّن الحزب في غضون شهور قليلة من تأسيسه في العام 2008 من تكوين أكبر كتلة في البرلمان، وذلك بفضل استقطاب عشرات البرلمانيين من أحزاب أخرى في ظاهرة تُعرف في المغرب بـ"الترحال السياسي"، إلا أن هذه الممارسة – الترحال السياسي – حُظِرت في دستور 2011. كما استطاع الحزب اكتساح الانتخابات البلدية في العام 2009 بحوالي 21 في المئة من المقاعد (بالمقارنة مع 7 في المئة فقط لحزب العدالة والتنمية)، بعد ضم عدد كبير من أعيان البوادي والقرى التي تشكل خزاناً انتخابياً مهماً للأحزاب الإدارية إضافة إلى اتهامات لوزارة الداخلية بـ"تعبيد الطريق" للحزب عن طريق تعبئة الأعيان والمسؤولين المحليين وإحداث حركة انتقالية في صفوف بعض الولاة والعمال المقربين من الحزب.

لكن احتجاجات العام 2011 علّقت مؤقتا طموحات الحزب. فقد رفعت حركة 20 فبراير شعارات تطالب بإبعاد بعض رموزه الذين يُعتبَرون مقرّبين من القصر، ومحاسبتهم على إفساد الحياة السياسية. وقد أذعن فؤاد عالي الهمة لضغوط الشارع، فكانت النتيجة استقالته من الحزب في أيار/مايو 2011، وعودته إلى المربع الملكي، وهو الأمر الذي أدى إلى استقالات ونزيف تنظيمي كادت أن تفجّر هذا الحزب الوليد من الداخل وتقضي عليه في المهد. وقد سعى حزب الأصالة والمعاصرة، تحت وقع الضربات الموجعة التي تلقاها خلال العام 2011، إلى إعادة ترتيب بيته الداخلي وإعادة جدولة أولوياته. فبعدما شكلت المواجهة مع العدالة والتنمية سلم أولوياته في المرحلة الأولى من تأسيسه، تم الانكفاء خلال السنتين الماضيتين على البناء التنظيمي، إضافة إلى تقوية الإشعاع الخارجي للحزب، مع العمل على التنسيق مع المعارضة من دون الظهور على خط المواجهة.

لعبت القيادة الجديدة للحزب دوراً مهماً في رسم معالم هذه السياسة الجديدة، لاسيما بعد التوافق على انتخاب التكنوقراطي مصطفى الباكوري – الذي يشغل منصب مدير عام الوكالة المغربية للطاقة الشمسية – على رأس الحزب في شباط/فبراير 2012. فقد نجح هذا الأخير في رأب التصدع التنظيمي للحزب لاسيما بين اليساريين والمنحدرين من الأحزاب الإدارية والأعيان إضافة إلى إعادة ترتيب أجندته السياسية. فمنذ صعوده للأمانة العامة لوحظ تغير تدريجي في مواقف الحزب من الإسلاميين، حيث خفّت حدة المواجهات، مقابل ارتفاع حدتها لدى كل من قيادات حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي. ورغم أن بعض التحليلات تشير إلى أن هذا التغيير من شأنه أن يجعله يقترب تدريجياً، ويبحث عن عناصر الالتقائية مع العدالة والتنمية قبل الانتخابات المقبلة، إلا أنه من المستبعد حصول تحالف بينهما في المستقبل القريب نظراً، من جهة أولى، إلى العدواة الأيديولوجية لبعض قياداته اليسارية تجاه الإسلاميين، ومن جهة ثانية، إلى كون تحجيم الإسلاميين من بين المهام الأساسية التي شُكِّل من أجلها هذا الحزب وبسببها تم استجلاب اليساريين له.

هذا، ويقوم التوجه الجديد للحزب على ثلاث ركائز: البناء المؤسساتي للحزب، التقدم بمبادرات مدنية وسياسية، وتقوية الإشعاع الدولي. من الناحية المؤسساتية، عاش الحزب على إيقاع تطور تنظيمي منذ منتصف 2012، حيث تم مأسسة عدد من فروع الحزب الجهوية والمحلية إضافة إلى هيئاته الموازية (القطاع النسائي والطلابي والمهندسين، إلخ.)، كما بادر إلى تأسيس فروع له خارج المغرب في فرنسا وبلجيكا وهولندا – حيث يقيم مئات الآلاف من المهاجرين المغاربة – مستبقاً بذلك إمكانية السماح مستقبلاً للمغاربة المقيمين بالخارج بالتصويت. وتأتي هذه الترتيبات كمحاولة لتقوية حظوظه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وتجاوز "خيبة" انتخابات 2011 التي كان يَتوقع حزب "صديق الملك" اكتساحها على غرار انتخابات 2009.

على مستوى المبادرات السياسية، تمكّن الحزب من طرح عدد من القضايا على النقاش العمومي، مثل الدعوة في ندوة بالبرلمان لتقنين زراعة القنب الهندي، والتي اعتبرها بعض البرلمانيين محاولة من جهات رسمية في الدولة لجس نبض المجتمع والقوى السياسية من هذه المسألة، إضافة إلى ذلك لعب القيادي المثير للجدل إلياس العماري دوراً بارزاً في الافراج عن الصحفي علي أنوزلا الذي اعتُقِل على خلفية قانون الإرهاب – بعد إحالة موقعه الإلكتروني لرابط شريط لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. فقد تدخل العماري عبر محاميه الخاص حسن السملالي الذي تمكن في غضون أيام قليلة من الحصول لأنوزلا على إطلاق سراح مؤقت بعد محاولات فاشلة لهيئة دفاعه الأولى.

خارج الأنشطة الحزبية، نشطت قيادات الأصالة والمعاصرة خلال السنتين الأخيرتين على مستوى الديبلوماسية الشعبية والبرلمانية، لاسيما في مايخص قضية الصحراء. حيث قامت مثلاً وسائل إعلام رسمية بتسويق زيارة للباراغواي قام بها إلياس العماري خلال كانون الأول/ديسمبر الماضي بكونها أقنعت حكومة الباراغواي بسحب اعترافها بجبهة البوليزاريو الانفصالية، الأمر الذي نفاه وزير الخارجية السابق سعد الدين العثماني، ونَسب ذلك إلى المجهودات التي قامت بها وزارته في الفترة التي كان فيها على رأس الدبلوماسية المغربية. إضافة إلى ذلك اهتم الحزب بالقضية الفلسطينية، لاسيما دعم الوساطة بين حركتَي "فتح" و"حماس" في لقاء عُقِد منتصف كانون الثاني/يناير 2013 بالرباط.

رغم تفادي الظهور في الواجهة على خط المواجهة مع حزب العدالة والتنمية، فإن حزب الأصالة والمعاصرة يشتغل بتنسيقٍ مع المعارضة في البرلمان، كما تجلى ذلك في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي بعد إسقاط المعارضة لأول مرة قانون المالية لسنة 2014 في الغرفة الثانية. إلا أن التنسيق بقي على المستوى المؤسساتي داخل البرلمان، ولم يتحول بعد إلى تنسيق على المستوى الحزبي، كما هو حاصل في التحالف الذي تم توقيعه في تموز/يوليو الماضي بين حزبَي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال.

يبقى حزب الأصالة والمعاصرة لاعباً احتياطياً ذا دلالة للقصر يمكن تنشيطه مرة أخرى لترتيب المشهد السياسي سواء على مستوى الأغلبية الحكومية أو المعارضة الحزبية، باعتبار أن تلجيم الإسلاميين مازال مطلباً ملحاً للمحيط الملكي من جهة، وباعتبار عدم رضا القصر عن منهجية اشتغال حزبَي المعارضة الرئيسيين، حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، ونوعية نخبهما السياسية. رغم أن محاولات ترميم الصورة التي قام بها الحزب خلال السنتين الأخيرتين قد ترفع شعبيته قليلاً، إلا أنه من الصعب على حزب الأصالة والمعاصرة تصدّر الانتخابات المقبلة والتفوق على غريمه حزب العدالة والتنمية، ماعدا إذا قرر المخزن دعمه، وهو احتمال ضعيف، إلا إذا عادت وزارة الداخلية في طرقها التقليدية للتحكم في الانتخابات وإخضاع النخب. 

محمد مصباح زميل في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، يساهم بانتظام في نشرة صدى.