بيتر كول؛ محرّر أساسي لكتاب "الثورة الليبية وتداعياتها" (دار هرست، لندن، 2014).

يصعب الكلام عما يجدر بالمجتمع الدولي القيام به في ليبيا من دون التوقف أولاً عند العوامل التي دفعت بالأمور في هذا الاتجاه. فخلال الثورة والمرحلة الانتقالية، سعت الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظمة الأمم االمتحدة على السواء (والليبيون أنفسهم) إلى أن تكون لهم "بصمة دولية خفيفة" في ليبيا. اللافت هو أن الجانبَين استخدما اللغة نفسها بهدف التعلّم من تجارب مختلفة. فقد أيّد المسؤولون في الأمم المتحدة، بالاستناد إلى الدروس المستمدّة من الصومال وكوسوفو وأفغانستان، تنفيذ مهام أصغر نطاقاً تقودها جهات سياسية، عبر العمل من خلال الكوادر المحليين والمنظمات غير الحكومية، وبمساعدة دولية منسَّقة. وسعى المخطّطون الاستراتيجيون العسكريون الذي استخلصوا دروساً من المشاريع المكلفة والدموية وغير المحدّدة لبناء الأمة في أفغانستان والعراق، إلى إقامة علاقات أفضل مع الشركاء المدرّبين محلياً، بدعم من فرق العمليات الخاصة وسلاح الجو.

لقد تمكّنت الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على السواء من تطبيق مقاربات "البصمة الخفيفة" في ليبيا بسبب وجود كيان سياسي، أي المجلس الوطني الانتقالي، كان يتمتّع بما يكفي من المصداقية وقوة الحضور لتحديد شروط التدخّل. فعلى سبيل المثال، عارض كلّ من مصطفى عبد الجليل والمكتب التنفيذي إرسال قوة عسكرية على الأرض، أو فرق كبيرة متعدّدة الجنسيات لنشر الاستقرار. لكن في الوقت نفسه، لم يكن المجلس الوطني الانتقالي يملك الآليات اللازمة لتجنّب المنافسة من الكيانات والشبكات الليبية المحلية على السلاح والأرض والتدريب. كان بإمكانه أن يستوعب تلك الشبكات ويُدمجها، وهذا مافعله تحت تأثير الضغوط من الليبيين والدبلوماسيين الأجانب. لكنه أصبح بذلك أقل قدرة على تسجيل الأسلحة والذخائر (بعضها أجنبي، في حين أن معظمها تم الاستيلاء عليه محلياً)، وتوجيهها عبر ماتبقّى من القوات المسلحة.

كما في الحرب، كذلك في السلم. نقل عبد الجليل ومحمود جبريل مقرّ المجلس الوطني الانتقالي إلى طرابلس، ومارسا الحكم من خلال الوزارات القائمة بدلاً من استخدام آليات انتقالية أخرى، وذلك لأسباب سليمة مثل تفادي تكرار حدوث سيناريو مشابه لـ"اجتثاث البعث" في العراق. إلا أنه كانت للوزارات إمكانات محدودة جداً. كما أن مؤسّستَي الجيش والشرطة اللتين تفكّكتا خلال نزاع 2011 وبعده، كانتا تعانيان من المحدوديات في الإمكانات لاسيما بسبب خسارتهما للضباط والشرعية السياسية والأسلحة لمصلحة المقاتلين الثوّار. وقد دفعت حكومة الكيب، تحت تأثير الضغوط المباشرة من أولئك المقاتلين، بالأمم المتحدة إلى الإفراج عن أموال الدولة المجمّدة لتسديد رواتبهم. كان هذا الخيار الأفضل بين مجموعة من الخيارات السيئة، لكنه حدّد نطاق تحرّك الحكومة مستقبلاً في القطاع الأمني، في حين وافق السياسيون في المجلس الوطني الانتقالي والمؤتمر الوطني العام، على إدراج كيانات أمنية متعدّدة ومتنافسة على جدول رواتب القطاع الحكومي، لا بل عمدوا أحياناً إلى ترقيتها على هذا الجدول، وذلك لأسباب سياسية.

إذاً تتوقّف الخطوات التي ينبغي على المجتمع الدولي اتّخاذها، على المسار الذي يسلكه الليبيون. فعلى سبيل المثال، من شأن مبادرات على غرار "قوة الأغراض العامة" أن تبث دماً جديداً وضرورياً جداً في القوات المسلحة وتؤمّن لها التدريب التي هي بأمس الحاجة إليه، إنما يجب أن تتحرّك تلك القوة بحذر، لأسباب تتعلّق بالشرعية السياسية (القوة موجودة بناء على طلب من رئيس وزراء الحكومة المؤقتة)، والتدقيق، والإمكانات الحكومية، لاسيما القدرة على تسديد تكاليف التدريب ومراقبة المقاتلين المدرَّبين واستيعابهم. 

في غضون ذلك، فإن مسار التدريب العملي والمتأنّي وبناء القدرات الذي طالبت به الحكومة الليبية بموجب برنامج العدالة والأمن والدفاع الذي جرى الاتفاق عليه في باريس في شباط/فبراير 2012، ليس بالمجهود الباهر لكنه حيوي. يجب أن يكون هذا العمل مستنيراً من الناحية السياسية ومتناسباً مع الطابع السياسي والفئوي المتغيِّر للمؤسسات الليبية وكوادرها، ومنسَّقاً كما يجب مع الأمم المتحدة والحكومة الليبية. فعندما لم يؤخَذ بهذه المقتضيات من قبل، تعثّرت أجزاء من البرنامج لاسيما تلك المتعلقة بالأمن الحدودي.

المطلوب إذاً هو تكييف آليات الحكم وتحسينها بتروٍّ وبصورة تدريجية، عبر الإصغاء إلى جميع الليبيين فيما يخوضون نقاشات سياسية واسعة النطاق حول طبيعة الحكم (مثلاً الفدرالية). يمكن إدارة هذه النقاشات في إطار الحوار الوطني المدعوم من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لكن لاداعي لمعالجة جميع المسائل المطروحة فيها. فالدول الأكثر تقدّماً تشهد انقسامات سياسية عميقة، إنما يجب أن تتم هذه النقاشات في إطار مؤسسات قادرة على استيعابها وتطويعها، من دون أن يلجأ السياسيون أو المجتمعات المحلية إلى حلفائهم في القطاع الأمني، كما حدث في النقاشات الليبية حول العزلة السياسية، والفدرالية، والتشدّد الإسلامي، وإصلاح الجيش والشرطة، ورئاسة الوزراء. آليات الدولة الكفوءة والمحايدة، وليس السياسيون، هي السبيل الأفضل لاستيعاب هذه النقاشات.