فريدريك ويري، باحث كبير في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، و مشارك في كتابة "بناء قطاع الأمن في ليبيا".

يبدو الهم الأمني في ليبيا اليوم الأكثر إلحاحاً وخطورة. يطالب الناس بأن تحل المؤسسات الأمنية الرسمية مكان الميليشيات - حتى تلك التي استوعبتها الحكومة شكلياً. في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، شهدت البلاد اليوم الأكثر دموية منذ ثورة 2011 عندما فتح ميليشياويون النار على المحتجّين في طرابلس. وعندما انتشر عناصر الشرطة والجيش النظاميون، في الأسابيع اللاحقة، في مختلف أنحاء طرابلس وتراجعت الميليشيات، لقيت هذه الخطوة ترحيباً واسعاً. وفي بنغازي، أظهر الناس دعماً قوياً جداً لوحدة القوات الخاصة المحلية وقائدها الكاريزماتي خلال الصدامات مع "أنصار الشريعة".

تتقدّم قوى خارجية لملء هذا الفراغ عبر وضع خطط لتدريب جيش وطني وتجهيزه. وقد أُبلِغ الكونغرس الأميركي مؤخراً بطلب تقدّمت به السلطات الليبية إلى الولايات المتحدة لتدريب 8000 جندي ليبي على امتداد ثماني سنوات لتشكيل مايُعرَف بـ"قوة الأغراض العامة". وتساهم بريطانيا وتركيا وإيطاليا أيضاً في هذا المجهود. يجري التحضير للمشروع منذ الصيف الماضي على الأقل، ويبدو متيناً ومتماسكاً على المستوى النظري.

لكن الأحاديث التي أجريتُها مع ليبيين من مختلف الانتماءات في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي كشفت عن العديد من التحدّيات والمطبّات التي يرتبط عدد كبير منها بالإشراف المدني على "قوة الأغراض العامة"، والهدف الفعلي منها، ومدى شمولها لمختلف الأطراف. قال لي مسؤولون في القيادة العسكرية الأميركية الخاصة بأفريقيا (أفريكوم) إن الهدف من إنشاء هذه القوة هو حماية المؤسسات الحكومية والمسؤولين المنتخبين، من أجل منح متنفّس للديمقراطية المتعثّرة. وأضافوا أنه من المرتقب أن تحل لاحقاً مكان الدور الذي تؤدّيه حالياً القوة المعروفة بـ"درع ليبيا" - وهي عبارة عن ائتلافات ميليشياوية تابعة لرئاسة الأركان في الجيش الليبي - من أجل فرض الأمن على الحدود. وبما أن "قوة الأغراض العامة" جزء من الجيش الوطني، يجب اختيار ضباطها وعناصرها من مختلف المناطق والقبائل الليبية.

قال لي قادة إسلاميون في الشرق إنهم يوافقون في المبدأ على خضوع الجيش الليبي للتدريب على أيدي جهات أجنبية. لكنهم يعارضون السيطرة الخارجية: تتردّد أخبار عن تركيز الولايات المتحدة حصراً على مكافحة الإرهاب في ليبيا. يرى البعض أن "قوة الأغراض العامة" تخدم فقط مصالح "تحالف القوى الوطنية" أو رئيس الوزراء الليبي علي زيدان. أما كبار الضباط في الجيش الليبي فيعارضون ضم الميليشياويين، ولاسيما الإسلاميين، إلى القوة، إذ يعتبرون أنه يتعذّر ضبطهم وأنهم ذوو صبغة أيديولوجية. وكانت للأحداث في مصر تداعيات ملموسة أيضاً على العلاقات المدنية-العسكرية في ليبيا.

يجب معالجة كل هذه التشنّجات لضمان نجاح الجيش الجديد. لقد شكّل المسؤولون الحكوميون العديد من مجموعات العمل واللجان الوزارية بهدف دراسة المسائل المحيطة بإنشاء "قوة الأغراض العامة" ومستقبلها. يبدو المسؤولون الأمريكيون وشركاؤهم مدركين للمطبّات والعقبات. لكن يجب بذل مجهود موازٍ لتخطّي انعدام الثقة الشديد على المستوى السياسي وغياب المصالحة الوطنية. فالخصومات داخل الوزارات، وداخل "المؤتمر الوطني العام" والمؤسسات الأمنية الهشّة تهدّد بجعل المشروع ينحرف عن مساره الصحيح. 

إلى جانب الحوار، تحتاج ليبيا إلى معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تقف خلف مواصلة الميليشيات عملها. يجب منح العناصر الشباب محفّزات لمغادرة تلك الميليشيات والانخراط في المجتمع من جديد. وفي هذا الإطار، من الضروري اعتماد برنامج مستدام لتسريح الميليشيات ونزع سلاحها وإعادة دمج عناصرها في المجتمع. تشكّل "هيئة شؤون المحاربين"، وهو مشروع على مستوى وطني، انطلاقة جيدة. إلا أن الجزء الأكبر من التقدّم الفعلي يتحقّق على المستوى المحلي، بتوجيه من المجالس المحلية وشيوخ القبائل ذوي المكانة المرموقة.

تشير هذه الجهود باتّجاه حقيقة مهمة في ليبيا بعد الثورة، وهي أنه ينبغي على الجهات الخارجية الراعية والمانحة أن تأخذ في الاعتبار أن التحدّيات الليبية تتطلّب مقاربة تقوم على النظر في كل حالة على حدة، على أن يتم تكييفها بحسب احتياجات البلدات والمناطق. من شأن الاعتماد حصراً على حل هرمي وشديد المركزية، على غرار "قوة الأغراض العامة"، أن يزيد منسوب التشنّج في الأجواء المشحونة أصلاً.