ديرك فانديفال، أستاذ في مادّة الإدارة الحكومية في جامعة دارتموث ومؤلّف "تاريخ ليبيا الحديثة".

لاتزال ليبيا تواجه صعوبات سياسية خطيرة سيكون لها في نهاية المطاف تأثير على مستوى الأمن في البلاد. تكشف محاولة إطلاق حوار وطني على وقع تعثّر المؤسسات السياسية (مثل المؤتمر الوطني العام)، أنه من دون إنشاء مؤسسات فاعلة قادرة على معالجة المشاكل السياسية التي تتخبّط فيها البلاد، لن يؤدّي إصلاح القطاع الأمني وإعادة هيكلته سوى إلى استمرار حالة عدم الاستقرار والفوضى التي تشهدها ليبيا.

تواظب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على حض الأفرقاء السياسيين ومجموعة من الأطراف السياسية غير الرسمية، على الانخراط في حوارٍ تأمل في أن يؤدّي إلى نوع من التسوية، على الطريقة التونسية، وأن يمهّد الطريق نحو أهداف سياسية مشتركة. إلا أن أحداث الأشهر القليلة الماضية كشفت أن هذا المسار لايزال معقّداً وشاقاً. ففي ليبيا، لم يتم الاتفاق بعد على قواعد مشتركة للعبة، والتوافق السياسي شبه معدوم. كما أن البلاد تفتقر إلى منظمات أهلية وترتيبات مؤسسية فاعلة، مايجعل العجز عن التوصّل إلى تسوية سمة أساسية ودائمة في الحياة السياسية الليبية. هذا فضلاً عن أن استخدام الحكومة لموارد البلاد المالية بهدف الحفاظ على التوازن بين عدد من المجموعات المتنافسة، وعلى الرغم من أنه قد يكون مفهوماً من الناحية العملية، لم يولّد، لسوء الحظ، مزيداً من الزخم باتجاه التسوية.

وتحجب المأسسة التي تشهدها حالياً الحياة السياسية في البلاد، واقع أن المؤسسة السياسية الأبرز التي أنتجتها الانتخابات الوطنية، أي المؤتمر الوطني العام، تحوّلت هيئة جوفاء تكتسب مكانتها من الخدمات التي تقدّمها للمجموعات المختلفة على أساس المحسوبيات، بدلاً من أن تكون مؤسسة سياسية وطنية تصغي إلى هموم المواطنين وتعمل على معالجتها.

يبدو إذاً أن الأمور تسير في اتجاهَين معاكسين في ليبيا، كما يُظهر تراجع المؤتمر الوطني العام. فمن جهة يجري العمل على بناء المؤسسات السياسية في البلاد، لكن من جهة أخرى، تصبح هذه المؤسسات أقل جدوى وأهمية. يبدو أن الدولة الممأسسة التي تتمتّع بالشرعية في نظر من تحكمهم، والتي من شأنها أن تفرض الأمن في ليبيا على مستويَي البلاد والمنظومة السياسية على السواء، تفلت من أيدي الليبيين.

شكّلت فكرة الحوار الوطني، في جزء منها، محاولة لمعالجة هذا التنافر المتزايد بين السياسة وواقع الحياة في ليبيا، عبر ردم الهوة بين الإطار السياسي الرسمي والمجموعات التي تم إقصاؤها. لقد اعتبر بعض المراقبين أن الحوار الوطني وُلد ميتاً، في حين يبدي آخرون نفحة تفاؤلية مشيرين إلى أنه يمكن أن يؤدّي دوراً مهماً يجعل منه أداة وساطة في الحياة السياسية الليبية الشديدة التصدّع.

يشكّل وضْع القطاع الأمني تحت سيطرة الحكومة شرطاً أساسياً من أجل ضمان استقرار البلاد في المستقبل. لكن إذا لم يتمكّن الليبيون من إقرار الترتيبات المؤسسية السياسية التي لابد منها من أجل تحقيق الاستقرار والشرعية في المدى الطويل، فلن يكون إصلاح القطاع الأمني كافياً. يجدر بنا أن نبذل كل ما بوسعنا لتقديم المساعدة اللازمة فيما تتخبّط ليبيا في مواجهة العقبات السياسية التي تعترض مجهود بناء الدولة. فإعادة الإعمار السياسي مهمة من أجل استتباب الأمن في البلاد تماماً بقدر إصلاح القطاع الأمني.