طارق المجريسي، محلّل مستقل مقيم في لندن متخصّص في السياسة والحكم في ليبيا والعالم العربي.

قد يبدو وضع استراتيجية للتخفيف من حدّة المشاكل الأمنية الكثيرة التي تعاني منها ليبيا، مهمة شاقّة، فما بالكم بالعمل على حلّها. إلا أن تسليط الضوء على الظروف التي أدّت إلى انطلاق هذه النزاعات يمكن أن يساعد المجتمع الدولي على تحديد طرق لمعالجة المشاكل البنيوية التي تقف خلف الفلتان الأمني المستشري في ليبيا.

تلقي مسألتان بارزتان في ليبيا - انعدام الأمن في الجنوب مع حدوده المستباحة، والحصار المفروض على محطات النفط الشرقية - الضوء على الأساس المشترك للفلتان الأمني الذي تعاني منه البلاد حالياً. تطالب المجموعات الجنوبية في شكل أساسي بالتزامات ملموسة بإنماء مناطقها وبتمثيل أكبر في وضع السياسة المحلية وتطبيقها. أما المسألة الشرقية فتحرّكها مجموعتان: من يطالبون بقيام اتحاد فدرالي في الشرق، ظناً منهم أنه يضمن الاستقرار المادي في المستقبل، ومن يدّعون أن السلطات الانتقالية تتعمّد، لدوافع جرمية مشبوهة، التضليل في التقارير التي تضعها عن مبيعات النفط. 

نظراً إلى التجارب القاسية التي عاشتها ليبيا في الماضي القريب، ينظر الليبيون إلى المرحلة الانتقالية بأنها إعادة تموضع سياسي حيث لاغالب ولامغلوب، ويتعيّن على كل منطقة ومجموعة أن تفرض نفسها للحصول على حقوقها الإنمائية. وقد تعزّزت هذه النظرة بفعل ممارسات صانعي السياسات في طرابلس الذين فشلوا على الدوام في اتباع مقاربة شاملة وشفافة وفاعلة. السبب الذي يقف وراء النزاعات في الشرق والجنوب هو افتقار السلطات الليبية إلى الدبلوماسية الحقيقية واعتمادها على المخططات المدمّرة.

وقد ولّد انعدام المبادرات الدبلوماسية الموجّهة من السلطات المركزية، وعدم وجود منتديات موثوقة للتوسّط في النزاعات، وغياب الآليات التي تتيح للرأي العام التأثير في السياسات، مناخاً من البارانويا، الأمر الذي شجّع بدوره على انتشار الأمن الذاتي لمكافحة الإجرام وتسوية النزاعات، ودفَع كل مجموعة نحو السعي إلى انتزاع حقوقها بنفسها. وفي هذا الإطار، يرتدي الدعم الدولي لمساعدة ليبيا على استبدال الهيكليات السياسية القائمة، أهمية بالغة لمعالجة الفلتان الأمني في البلاد.

يمكن أن يركّز هذا الدعم على تسوية المشاكل بمشاركة الجميع، وتوليد مناخ سياسي جامع، والمباشرة بتدريب السياسيين الليبيين على أساليب الحكم التمثيلية والشفّافة. والطريقة الأكثر فاعلية لتحفيز هذه التغييرات هي من خلال إطلاق ودعم مبادرات تهدف إلى: تعزيز سيادة القانون وممارسات الحكم الشفافة والجامعة، وإرساء نظم انتقالية للتوسط في النزاعات. لاتشكّل هذه المقاربة الحل الأكثر شمولاً وحسب، إنما أيضاً الأكثر استدامة للمشاكل الأمنية التي تعاني منها ليبيا.