في مليتا، البلدة الصغيرة الواقعة على تلة في جنوب لبنان، يقع معلم حزب الله السياحي عن المقاومة. فالموقع الذي بُني احتفالاً بالذكرى العاشرة للانسحاب الإسرائيلي من لبنان، استقطب مئات آلاف الزوّار منذ افتتاحه في العام 2010. يطلّ على مناظر بانورامية للجبال الوعرة، ويتضمّن برك ماء انعكاسية وحفرة مليئة بخوذات الجنود الإسرائيليين، وخليطاً من المعدات العسكرية والمدرّعات المدمَّرة، بما فيها دبّابة ميركافا، وقد تم عقد مدفعها في إطار "عمل مشهدي تركيبي"، وذلك ترميزاً إلى هزيمة الجيش الإسرائيلي، كما يشرح أدلاّء الجولة باعتزاز شديد.

يستقطب المتحف عددا كبيرا من السياح و لاسيما بسبب جاذبية حزب الله لدي مختلف الطوائف  
والتي اكتسبها من محاربة الجيش الاسرائيلي و إرغام اسرائيل علي الانسحاب من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠. نتيجةً لذلك، دعمت أعداد كبيرة من السنّة والمسيحيين الحزب، فضلاً عن الدعم من قاعدته الشيعية. فعلى سبيل المثال، تدفّق سكّان مدينة طرابلس التي تُعرَف بأنها معقل للإسلام السنّة، إلى وسط بيروت رافعين أعلام حزب الله بعد رحيل إسرائيل. وفي أوج حرب تموز/يوليو 2006، أورد استطلاع أجراه مركز بيروت للأبحاث والمعلومات أن 80 في المئة من المسيحيين و89 في المئة من السنّة يدعمون الحزب الشيعي في ردّه على الهجمات الإسرائيلية.

وبعد العام 2000، بات مألوفاً وجود خارج لبنان سلاسل مفاتيح وأكواب وقمصان تحمل صورة أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، مع ابتسامة على وجهه. فعلى الرغم من أن الأنظمة الملَكية السنّية في الخليج كانت تعارض الحزب، بدافع قلقها من تنامي النفوذ الإقليمي لأتباع إيران، إلا أن المواطنين في معظم الدول العربية أشادوا بالحزب الذي رأوا فيه حركة مقاومة مشروعة.

لكن شعبية حزب الله خارج طائفته الشيعية لم تدم طويلاً، لا في الداخل ولا في الخارج. فقد وقعت سلسلة من الخلافات السياسية بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في العام 2005، وبلغت ذروتها مع نشر الحزب عناصره في بيروت الغربية واحتلالها لفترة قصيرة في العام 2008. وقد حال اتفاق الدوحة الذي وُقِّع بعد بضعة أسابيع دون حدوث مزيد من الصدامات، إلا أن سلطة الفيتو الجديدة التي فرضها حزب الله على الحكومة اللبنانية أثارت غضب خصومه.

لكن من بين كل سياسات الحزب السجالية، ألحق إعلانه دخول الساحة السورية في العام 2013 الضرر الأكبر بسمعته. ففي 25 أيار/مايو 2013، أكّد نصرالله تدخّل حزبه في سورية في خطاب ناري استمر ساعة كاملة، وادّعى خلاله أن إسرائيل ستدخل لبنان من جديد إذا سقط نظام الأسد على أيدي الثوار. فردّ نديم قطيش، وهو إعلامي لبناني شيعي يُعرَف بانتقاداته لحزب الله: "إما أنّ المقاتلين أضاعوا فلسطين على الخريطة ويعتقدون أنها تقع في سورية، وإما أنه قيل لهم إن الطريق إلى القدس يمرّ عبر القصير وحمص"، وذلك في إشارة إلى صعوبة التوفيق بين مهمة الحزب الأساسية وهي مقاوم إسرائيل وتركيزه على الحرب السورية.

تُوجّه شخصيات سياسية وسطية لاتنتمي إلى فريق 8 آذار ولا إلى فريق 14 آذار، اللذين يشكّلان طرفَي النزاع في لبنان، مزيداً من الانتقادات إلى حزب الله في العلن. فقد رفع الرئيس ميشال سليمان، المرشّح التوافقي الذي اختير رئيساً للجمهورية في العام 2008، من حدّة لهجته ضد الحزب الذي كان قد أشاد به في السابق، معلناً في حزيران/يونيو الماضي: "أريد أن أحمي المقاومة من نفسها إذا كانت البوصلة في الاتجاه الخاطئ".

وتبدي دول عربية أخرى أيضاً استيائها من سلوك الحزب. فقد أظهرت استطلاعات الرأي، منذ خطاب نصرالله في 25 أيار/مايو الماضي، أن معظم شعوب المنطقة تنظر الآن بطريقة سلبية إلى حزب الله، ومنها 60 في المئة من المسيحيين و94 في المئة من السنّة في لبنان. وتنظر دول الخليج في تصنيف حزب الله في خانة التنظيمات الإرهابية، كما فعلت البحرين في نيسان/أبريل 2013.

لكن على الرغم من الصعوبات التي يعانيها الحزب خارج لبنان بسبب تدخّله في سورية، تتركّز التداعيات الأكبر في الداخل اللبناني. فبعد يوم واحد من إلقاء نصرالله خطابه في 25 أيار/مايو الماضي، سقط صاروخان على معقل الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت. وبعد بضعة أشهر، في آب/أغسطس الماضي، أسفر انفجار سيارة مفخخة في الضاحية عن مقتل 27 شخصاً وإصابة أكثر من 30 آخرين بجروح. وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تسبّب انفجاران استهدفا مقرّ السفارة الإيرانية بسقوط 23 قتيلاً على الأقل. وقد توالت التفجيرات بوتيرة متزايدة، ليصل عددها إلى ثمانية استهدفت المناطق الشيعية منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي حتى الآن.

يبدو أن حزب الله أقحم نفسه في مغامرة باهظة الثمن عبر تورّطه في سورية. فمنذ قطعت إيران عهداً على نفسها بدعم بقاء الأسد، أرسل الحزب عناصره للقتال في الجهة الأخرى من الحدود. لكن تفادياً لإثارة السجال حول انتهاك الحزب لسياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها الحكومة اللبنانية في التعاطي مع الحرب السورية، دُفِن المقاتلون الذين لقوا مصرعهم في المعارك قبل 25 أيار/مايو، في الخفاء. 

في غضون ذلك، وبعد سنوات على انسحاب إسرائيل في العام 2000، لايزال الأدلاء السياحيون في مليتا يذكّرون الأجانب واللبنانيين على السواء بأن لبنان يدين لحزب الله بتحرّره من الاحتلال الإسرائيلي. وهذا ماتردّده أيضاً قناة "المنار" التابعة للحزب، كما أن نصرالله يربط باستمرار أهداف الثوار السوريين بالأطماع الإمبريالية الغربية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج أرسلوا ملايين الدولارات إلى مجموعات المعارضة التي هي بمعظمها، وبوتيرة متزايدة، مجموعات سنّية متشدّدة.

يعتبر نصرالله أنه من شأن رحيل الأسد أن يسدّد ضربة قوية لما يسمّيه "العمود الفقري" للتحالف بين حزب الله وسورية وإيران الذي يتألف من حفنة قليلة من الأطراف والدول الإقليمية التي لاتزال تناصب العداء علناً للسياسة الأميركية. لكن في الانتفاضة السورية التي يتفاقم طابعها المذهبي، والتي تحوّلت إلى حرب أهلية بين الشيعة والسنّة، خسرت قدرة حزب الله على تصوير نفسه بأنه حركة مقاومة، الكثير من الزخم خارج قاعدته المذهبية التقليدية. وهذا واضحٌ في الجولة في موقع مليتا التي تدوم ساعة كاملة، حيث لايؤتى أبداً على ذكر غزوة الحزب الحالية في مستنقع النزاع السوري المستمر منذ نحو ثلاث سنوات.

آدم رسمي صحافي مقيم في بيروت، يكتب عن الشئون الاقتصادية، السياسية و الاجتماعية فى المشرق و الخليج العربى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنجليزية

*تصحيح: نسخة مسبقة من هذا المقال قد صححت من الخطأ الوارد بالنسبة للانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠.