مستنصر بارما، محلّل في السياسات وخبير في الاقتصاد السياسي مقيم في نيروبي، كان سابقاً كبير الباحثين الاقتصاديين في غرفة التجارة الأميركية في مصر. 

"صعب جداً"، لعل هاتَين الكلمتين تختصران الموقف الذي عبّر عنه المرشّح الأوفر حظاً للانتخابات الرئاسية في مصر، عبد الفتاح السيسي، حول الوضع الاقتصادي في البلاد. على الأرجح أنه محق في استنتاجه هذا نظراً إلى تسجيل التضخّم والبطالة أرقاماً مزدوجة، وبلوغ عجز الموازنة 12 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وانقضاء عام إضافي من دون تحقيق الأهداف المنشودة في النمو الاقتصادي.

لقد أعلن السيسي عن أجزاء من استراتيجيته الاقتصادية - ينص اتفاق أُبرِم مؤخراً مع شركة إماراتية على بناء مليون وحدة سكنية جديدة لأصحاب الدخل المنخفض، كما يشكل إعادة إطلاق البرنامج النووي المصري خطوة أساسية في مقاربة السيسي لمعالجة أزمة الطاقة في البلاد. في حين أن هذه البرامج جيّدة، يملك السيسي فرصة حقيقية لوضع مصر على مسار التعافي الاقتصادي الذي يتّسم بالاستدامة على المدى الطويل. لهذه الغاية، عليه أن يتخلّص من الاعتماد على الدول المجاورة، وأن يتّخذ القرارات الصعبة التي تتعارض في معظم الأحيان مع المطالب الشعبوية.

يكمن التحدّي المطروح على السيسي في الابتعاد عن الصدقات والشروع في تنفيذ بعض الإصلاحات الاقتصادية. منذ عزل محمد مرسي، تلقّت مصر أكثر من 15 مليار دولار من المساعدات من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت. وقد ساهمت التدفّقات المالية في معالجة بعض المسائل بدءاً من تثبيت قيمة العملة الوطنية، وصولاً إلى الحدّ من النقص في الطاقة. لكن هذا الضخّ للأموال ليس سوى حل مؤقّت سيؤدّي في نهاية المطاف إلى إحباط الإرادة السياسية لتحقيق إصلاح فعلي. هذا وقد أدّت الاستراتيجيات التوسّعية منذ انتفاضة العام 2011 إلى تفاقم الوضع المالي في مصر، مع اقتراب الدين العام من بلوغ نسبة مئة في المئة من إجمالي الناتج المحلي. من شأن اعتماد "موازنة متوازِنة" عبر تمويل النمو من خلال الاستثمارات المستقرة الطويلة الأمد أن يساعد مصر على التخلّص من الثلاثي الخبيث المتمثّل في الدعم الحكومي، والأجور، والفوائد، والتي يلتهم كل منها نحو ربع النفقات الحكومية.

محك الاختبار الأكبر الذي يواجهه السيسي في هذا المجال هو الابتعاد عن اتّخاذ إجراءات متشدّدة والعمل بدلاً من ذلك على ترسيخ عملية شاملة لصنع القرارات الاقتصادية بمشاركة مختلف الأطراف. وقد أعطى وزير الدفاع الأولوية القصوى لبسط الأمن في البلاد إدراكاً منه أهمية هذا الأمر في إعادة بناء الثقة لدى المستثمرين. بيد أن النهج المتشدّد الذي أدّى إلى إقصاء "الإخوان المسلمين" ليس الوسيلة المناسبة. إن إلغاء البيئة التي تحتضن كوكبة متنوّعة من الأصوات مصدر خطر بحد ذاته سيسعى السيسي جاهداً إلى تجنّبه.

عبّر وزير المال عن غضبه قائلاً: "توقّفوا عن المطالبات وابدأوا بالعمل". في حين تحرّك وزير العمل لفرض حظر على الإضرابات العمالية لمدّة 12 شهراً. على الأرجح أن هذه التصاريح والممارسات الأحادية المتشدّدة سترتدّ بنتائج عكسية. في حال وصول السيسي إلى الرئاسة، من الأجدى به أن يتحاور مع العمّال عبر تمكين النقابات المستقلّة بدلاً من حظرها. ويجب أن يشارك المواطنون في آلية إعداد الموازنة، كما يجب إطلاعهم بوضوح على الجوانب الجيّدة والسيّئة في القرارات مثل الإلغاء التدريجي للدعم الحكومي للمواد الغذائية والمحروقات. من شأن وضع الموازنة بمشاركة جميع الأفرقاء أن يساعد السيسي إلى حد كبير في الحفاظ على الديمقراطية في عهده، وعدم الوقوع في الفخ الذي سقط فيه مرسي الذي كان انتخابه الإجراء الديمقراطي الوحيد في عهده. مشاركة الجميع أمرٌ أساسي، ومن الأجدى بالسيسي أن يرسي توازناً بين البراغماتية وذكرى الصيحات التي تصاعدت من ميدان التحرير: "رغيف، حرّية، عدالة اجتماعية".