ياسر الشيمي، زميل تدريس في جامعة بوسطن. 

مما لاشك فيه أن القوى غير الديمقراطية التي أُطلقت بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي من خلال التدخّل العسكري في الثالث من تموز/يوليو الماضي، سوف تستمر بزخم، ولاسيما في الوقت الذي يستعد المشير عبد الفتاح السيسي للارتقاء الرئاسة. فأحداث 3 تموز/يوليو لم ترسم فقط نهاية المسار المصري نحو الدمقرطة، بحد السلاح، مع العلم بأن هذا المسار كان حافلاً بالشوائب، بل طبعت أيضاً نهاية السياسة بحد ذاتها. تتألف مهمة السيسي من شقَّين: ترسيخ منظومة سياسية يقودها العسكر، والانطلاق في برنامج واسع النطاق لبناء الأمة بتمويل من الأنظمة الملَكية الخليجية المناهضة لل للإسلاميين، وبإدارة جنرالات الجيش (وبعض التكنوقراط)، وتنفيذ عمّال يعملون في ظروف بائسة. 

تتعارض السياسة التعدّدية الحقيقية مع هذه الطموحات، لكن يجب الحفاظ على المظاهر الخارجية. من أجل دفع الولايات المتحدة نحو استئناف مساعداتها العسكرية لمصر، ستستمر السلطات المصرية في ادّعاء الديمقراطية في حين تُحاك الدسائس للتلاعب بالإجراءات. هكذا نظّمت مصر استفتاء دستورياً، حيث وافق 98 في المئة من الناخبين على مسودّة أثارت انقساماً شديداً في البلاد (حُكِم على الأشخاص الذين صوّتوا بـ"كلا"، بالسجن)، وسوف تُجري انتخابات برلمانية يُمنَع على المجموعة السياسية التي فازت بغالبية الأصوات في الجولة الأخيرة، من التنافس فيها. يُفترَض بواشنطن أن تقبل بهذه الممارسات إذا لم تكن تريد أن يرتمي حكّام القاهرة في أحضان موسكو. مما لاشك فيه أن مصر ليست في صدد العودة إلى ديكتاتورية مبارك؛ فهذا الأخير تكبّد على الأقل عناء إنشاء حزب سياسي، وكذلك مشقّة السماح بمساحة معيّنة للتعبير الحر. تفتقر التدابير الجديدة إلى الاعتناء بالتفاصيل الدقيقة، لكنها تبدو غير ضرورية في ظل المساعدات المتواصلة من الخليج.

لاتترك السياسة الخاضعة إلى سيطرة العسكر متّسعاً من المكان للتعبير عن رأي مخالف، وتُربَط الأصوات المعارِضة الآن إما بالخيانة وإما بدعم الإرهاب. أما حقوق الإنسان فمسألة ثانوية يُنظَر فيها لاحقاً. يعتبر الجنرالات الحاكمون أن هذه المقاربة المتشدّدة هي الخيار الوحيد لإنقاذ بلاد ترزح تحت وطأة الاحتجاجات المتواصلة، وتدهور المؤشّرات الاقتصادية، والتدخّل الأجنبي الذي يتسبّب بزعزعة الاستقرار. في نظرهم، لاتستطيع بلاد حيث يعيش أكثر من ربع السكّان دون خط الفقر وتبلغ نسبة الأمّية 50 في المئة، أن تنعم برفاهية الديمقراطية وحقوق الإنسان. ماتحتاج إليه مصر هو فرض النظام، وليس حرية التعبير والتجمّع. بحسب هذا المنطق، كي تخرج القاهرة من الدوّامة، على المصريين أن يتقيّدوا بخطة الجيش، بدلاً من التشكيك في حكمتها أو جدواها.

في مصر الجديدة-القديمة، لامكان للإسلاميين. أما غير الإسلاميين، على تنوّعهم، فأمامهم خياران: إما تأدية الدور الذي كانت تضطلع به المعارضة العلمانية القديمة في عهد مبارك - دور هزلي خاضع وغير مؤثّر - وإما التعرّض إلى الإقصاء. ينخرط بعضهم في اللعبة بدافع الجشع أو الخوف، في حين يُسجَن البعض الآخر أو يتم إسكاته. تُقرَع طبول "الحرب على الإرهاب" بقوّة أكبر، ولاسيما أن عدداً كبيراً من الإسلاميين يجنح، بصورة متوقّعة، نحو التشدّد رداً على القمع. ومن سخرية القدر أن علّة وجود النظام الجديد مستمدّة من محاربة التهديد الذي ساهم بنفسه في صعوده.

مع تعطيل المشاركة السياسية وحرية التعبير عن الآراء، تزدهر أساليب أخرى، مثل الاحتجاجات وأعمال الشغب والغرافيتي التخريبي، والأسوأ من ذلك، الهجمات العنيفة ضد موظّفي الحكومة ومنشآتها. وهذا بدوره يُضعف أكثر فأكثر الاقتصاد الذي يعاني أصلاً من الهشاشة، ويُطلق دوامة انحدارية من سوء الأداء الاقتصادي واللاستقرار السياسي الاجتماعي. وقد لاتتحقّق أبداً معافاة اقتصادية بقيادة الجيش.

يعوّل البعض على وصول السيسي الذي يرون فيه شخصية توافقية، إلى الرئاسة لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، لكن حتى لو افترضنا أنه يريد ذلك، ثمة أسباب تدعو إلى التشكيك: 1) إنه شخصية مثيرة للاستقطاب مايعني أنه يتعذّر عليه قيادة مثل هذه العملية؛ 2) الإسلاميون غاضبون من الأحداث الأخيرة إلى درجة أنهم لن يقبلوا بالتسوية؛ 3) قد تحتاج إدارته إلى عدوّ لتحويل الأنظار عن الوضع الاقتصادي المتردّي؛ 4) لايرى ائتلافه المؤلّف من أجهزة أمنية انتقامية ونخبٍ من عهد مبارك، حاجة إلى تقديم تنازلات. لكن بما أن النصر الكامل لايلوح في الأفق، في المستقبل المنظور، ستبقى السياسة المصرية عنيفة وهستيرية وغير مستقرّة. أهلاً بك في المنصب سيادة الرئيس.