وائل نوارة، كاتب عمود خاص عبر موقع المونيتور، وهو كاتب وناشط مصري شارك في تأسيس حزب الدستور والجمعية الوطنية للتغيير.

قد يستفيد المصريون من وصول زعيم يتمتّع بالشعبية والانضباط مثل السيسي إلى مقعد الرئاسة، لأنه لديه فرصة أفضل من غيره في مصارحة الشعب من أجل مواجهة الحقائق الاقتصادية. كما يتميز السيسي عن الكثير من منافسيه برصيد من الخبرة الحقيقية في إدارة مؤسسة ضخمة في ظروف صعبة، بينما تتركز خبرة معظم منافسيه في إلقاء الخطابات الحماسية المؤثّرة. يصل الرئيس العتيد إلى سدّة الحكم بعد ثورة كبرى ضد نظامٍ فاسد، وانتفاضةٍ طالبت بالعدالة الاجتماعية، لذلك ومهما كانت شعبيته، فسيجد حتماً صعوبة في أن يطلب من المصريين إن يقبلوا تطبيق إصلاحات اقتصادية قاسية وتحمُّل المسؤولية في إخراج البلاد من مأزقها الحالي. وعلى الرغم من أن السيسي يتمتّع بشعبية واسعة مع أكثرية كبيرة من التأييد، إلا أن الاستقطاب الشديد في البلاد، يجعل قطاعاً غير صغير يعارض السيسي بشدّة، وبعض أعضاء هذا المعسكر هم مستعدّون لفعل أي شيء من أجل إفشال رئاسته.

على الجبهة الأمنية، أمضى السيسي حياته المهنية كاملة كجندي، وكان لعدة أعوام رئيساً للمخابرات الحربية ثم زيراً للدفاع. لكن ليس من الواضح بعد هل وصول السيسي إلى الرئاسة سيجعل الإخوان المسلمين يقبلون أخيراً بالواقع المصري الجديد، أم هل سيدفعهم هذا نحو المزيد من العدوانية فيتوغلون أكثر في طريق الانتقام والعنف، مما سيؤدّي إلى إطالة أمد النزاع وتقويض الفرص المتاحة أمام البلاد لاستعادة درجة من الاستقرار لابد منها من أجل تعافي السياحة والاستثمار والاقتصاد.

لا شك أن السيسي يحظى بشعبية ضخمة، لكن قدرته على استخدام هذه الشعبية والمحافظة على هذا الرصيد السياسي من خلال التوازن بين الإصلاحات القاسية والنجاحات السريعة، هو ما سيحدد مدى نجاح رئاسته. 

على الجبهة السياسية، من الحكمة أن يتّخذ السيسي تدابير لإنعاش العملية السياسية بعدما دخلت مرحلة الموت السريري، عبر تعزيز الأحزاب وتوفير مساحة كافية لظهور معارضة فعّالة بدل تكرار أخطاء السادات، فيؤسّس، أو يتحالف مع حزب سياسي يولد من رحم السلطة ويحكم قبضته عليها، فتعاني الحياة السياسية من الاحتكار من حزب واحد. هل سيعمل من أجل قيام برلمان قوي يحظى باحترام السلطة التنفيذية، وقضاءٍ مستقل، وإعلام حيوي، أم أنه سيقزم من دور هذه المؤسسات ويحوّلها إلى ديكور أو مجرد أدوات تدور في فلكه وتنفذ "توجيهاته"؟ ذكر السيسي في خطاب استقالته من المؤسسة العسكرية الجهاز الحكومي "المترهّل"، لكن هل سيتمكّن من ترشيده وتحديثه؟ ماذا ستكون الكلفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهل يمكنه تحمّل التداعيات السياسية والكلفة الاجتماعية لإعادة الهيكلة؟ في حال نجاحه، سيكون للسيسي فرصة لإلهام الشعب من أجل العمل بفعالية وتحمّل مسؤولية حياتهم ومستقبلهم. سوف يضطر المصريون إلى التحلي بالصبر. ولكن هناك مخاطرة، أن يستنفذ السيسي رصيده بسرعة دون ظهور نتائج واضحة، بينما يفقد المصريون صبرهم، لأن ثمار الإصلاح تنمو ببطء كما علمتنا الطبيعة. 

لقد أوضح السيسي أنه يؤمن بأن مصر تستطيع أن تتقدم وتستعيد مكانتها وتصبح "قد الدنيا" على حد تعبيره. لكن كيف سيتحقّق ذلك؟ كشفت خطابات السيسي عن شجاعة رجلٍ لايخشى التكلّم بصراحة مع الشعب وإطلاعهم على الحقائق الصعبة، متطرّقاً إلى التحدّيات الاقتصادية والحاجة إلى العمل بجهد لإنقاذ اقتصاد البلاد. كما أنه يحذّر في الوقت نفسه من أنه لايملك عصا سحرية، ويشير إلى أن إعادة البناء هي من واجب الجميع ومسؤوليتهم. لكن الشجاعة في الكلام شيء وتطبيق إصلاحات فعلية مؤلمة هو شيءٌ آخر. 

في الأيام والأسابيع المقبلة، سيسمع المصريون وعوداً كثيرة من مختلف الطامحين للرئاسة. لكن الوعود هي مجرد أقوال غالباً ماتصدر عن المرشحين ذوي الحظوظ الضئيلة أو المعدومة بالفوز، ولذلك يستفيضون في إطلاقها بكرم "عزومة المراكبية". بيد أنّ الأقوال ليست كافية كي تجتاز مصر هذا المأزق الشديد. فالأجوبة عن الأسئلة التي ذكرناها ستحدد مدى نجاح حكم السيسي في حال وصوله إلى سدّة الرئاسة في مصر.