شهد المغرب خلال الأشهر الأخيرة محطات من التوتر بين الإسلاميين والعلمانيين، انتقلت من طور المواجهات الكلامية إلى مرحلة التصفية الجسدية مع اغتيال الطالب عبد الرحيم الحسناوي - القيادي في منظمة التجديد الطلابي المقربة من حزب العدالة والتنمية - من طرف فصيل طلابي يساري متطرف يوم 24 نيسان/أبريل الماضي. لقد شكّل هذا الحادث صدمة قوية دفعت إلى القلق من انتقال المواجهة بين الإسلاميين والعلمانيين إلى مستوى أوسع، مايقوي موقع الدولة، ويضعف من القوى المؤيدة للديمقراطية. لفهم جذور هذا التوتر من المهم تسليط الضوء على السياق السياسي لهذه الأحداث.

في بداية شهر نيسان/أبريل المنصرم، نظّم مركز ابن رشد للدراسات والتواصل – علماني - في الرباط ندوة سياسية حول موضوع "اليسار، الإسلاميون، الديمقراطية. هل التفاهم ممكن؟" استضاف فيها ممثلين عن أحزاب يسارية وإسلامية ومثقفين لمناقشة سبل تجاوز الانقسام وتكوين جبهة موحّدة من أجل فرض إصلاحات ديمقراطية مجدية، وهو مايتردّد المخزن في تبنّيه. بعدها بأيام دعت منظمة التجديد الطلابي إلى ندوة مماثلة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، بمشاركة كلٍّ من عبد العالي حامي الدين، عضو الأمانة لحزب العدالة والتنمية، وحسن طارق، القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. في خضم التحضيرات، أصدر الطلبة القاعديون – فصيل يساري متطرف - بياناً يوم 23 نيسان/أبريل الماضي يهددون فيه منظّمي الندوة بأنهم "لن يَمُرُّوا، لن يمرّوا... وإذا مرّوا فعلى جثتنا"، بمبرر مشاركة حامي الدين في المحاضرة، الذي يَتَّهِمونه بالضلوع في وفاة محمد بن عيسى آيت الجيد في العام 1993 خلال مواجهات دامية بين طلبة إسلاميين ويساريين. على الرغم من أن المحكمة برأت حامي الدين بعدما أمضى عامَين في السجن، إلا أن القضية لاتزال تطارده وقد استُخدِمت سلاحاً سياسياً ضده وضد حزبه. خوفاً من وقوع اشتباكات، ألغى الطلبة الإسلاميون النشاط، إلا أنهم تفاجئوا يوم 24 نيسان/أبريل بهجوم مُلثّمين مسلحين بسيوف وسواطير، ماأدى إلى مقتل الطالب عبد الرحيم الحسناوي وجرح آخرين. وتتهم منظمة التجديد الطلابي فصيل النهج الديمقراطي القاعدي - البرنامج المرحلي - بتنفيذ الهجوم، ودعتِ الحكومةَ إلى تصنيفه منظمة إرهابية.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تقع فيها اشتباكات بين الطلبة الإسلاميين واليساريين، فقد عاشت الجامعات المغربية فترات متقطعة من العنف الطلابي في التسعينات تسبّبت بسقوط بعض القتلى وعدد كبير من الإصابات. إلا أن ميزة المواجهات الأخيرة أنها استهدفت طالباً ينتمي إلى فصيل طلابي مقرب من الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة. وهو ماتم تأويله من طرف حزب العدالة والتنمية على أنه استهداف لتجربته الحكومية ورغبة في جرّه للعنف. 

شكّل سلوك السلطات موقفا مُلتبساً من الحادث. فمن جهة تَعهّد رئيس الحكومة باستئصال العنف من الجامعات بعد حصوله على دعم ملكي، الأمر الذي نتج عنه اعتقال عشرات الطلبة من مثيري الشغب ضمنهم متهمون بتنفيذ عملية اغتيال الحسناوي. كما وَقَّعت وزارة الداخلية ووزارة التعليم العالي اتفاقاً مشتركاً يقضي بالتدخل الأمني في الحرم الجامعي من دون إذن رئيس الجامعة في حالات تهديد النظام العام. ومن جهة أخرى، منعت السلطات الأمنية حفل تأبين للضحية في مكان وقوع الحادث. 

كما اتهمت منظمة التجديد الطلابي قنوات عمومية – لاسيما القناة الثانية - بتحيزها الإعلامي وتعتيمها على هذا الحدث. وكذلك عاب إسلاميون على أحزاب معارضة ووسائل إعلام عمومية وخاصة مواقفها المتحيزة من الأحداث، ورغبتها في توتير العلاقة بين القوى الديمقراطية في البلد. في المقابل يتهم يساريون حزب العدالة والتنمية باستغلال وفاة الطالب من صفوفه لتحقيق مكاسب سياسية. وقد طالب الحزب الاشتراكي الموحد وزير التعليم العالي بتقديم استقالته، واتهَمَ رئيسَ الحكومة عبد الإله بنكيران بمحاباة فئة من المجتمع على فئة أخرى، في إشارة إلى حضوره برفقة وفد حكومي سامٍ جنازة القتيل.

لقد سُجِّل تَلَكّؤ السلطات طيلة الفترة الماضية في مواجهة العنف الجامعي. فنظراً إلى القيود المفروضة على التدخّل الأمني في الجامعات، غالباً ماتبقى السلطات مكتوفة الأيدي، وفي حالات أخرى يتم إصدار أحكام مخففة على مرتكبي الشغب. وهذا هو أحد الأسباب خلف تقاعسهم في الرد على ممارسات فصيل النهج الديمقراطي القاعدي الذي يُركّز على استهداف الفصائل الطلابية بمختلف توجهاتها، وعرقلة الدراسة ومقاطعة الامتحانات بالعنف. ينشط هذا الفصيل أساساً في المدن الجامعية العتيقة، مثل فاس ومكناس وأكادير ووجدة. إلا أن العناصر الأكثر عنفاً تنشط في جامعة ظهر المهراز بفاس، حيث تعرضت إدارة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في 2013 للإغلاق بالسلاسل لشهرين خلال مقاطعة الامتحانات. ورغم الشكاوى المتعددة من طرف المتضررين، لم تقم السلطات بمجهودات كافية لملاحقة المعنيين.

اعتبر البعض أن السبب الآخر وراء تدخّل السلطات المحدود هو التحيّز تجاه الفصيل اليساري، أو على الأقل التحيّز ضد خصمهما المشترك، أي الجماعات الإسلامية. من الصعب تأكيد ما إذا كانت السلطات تغضّ النظر عن فصيل الطلبة القاعديين، إلا أن العقل الأمني للدولة يسعى إلى الإبقاء على حالة التوازن بين الإسلاميين والعلمانيين في الجامعات. وهو مرتبط بمقاربة شمولية يمارسها النظام بشكل غَريزي: كلما أحست الدولة بتقارب بين الإسلاميين والعلمانيين، سارعت إلى تعزيز الانقسام وخلق مناخ انعدام الثقة عبر إخراج جثث من القبور وتذكية الصراع الأيديولوجي بين الطرفين. 

وقد امتدّت الانقسامات والعداوة بين الشباب الناشطين في الجامعات، إلى الميدان السياسي. فعلى سبيل المثال، بعد أسبوع من مقتل الحسناوي، قامت ناشطة يسارية باتهام البرلماني عبد الصمد الإدريسي - عن حزب العدالة والتنمية - بالاعتداء عليها خلال سنوات دراستهما بجامعة مولاي اسماعيل بمدينة مكناس في العام 1997، الأمر الذي نفاه البرلماني الإسلامي واعتبره محاولة لترهيبه باعتباره المحامي المكلف متابعة ملف الطالب المتوفى. وقبل أشهر، دخلت القناة الثانية على خط المواجهة من خلال بث فيديو لشيخ سلفي يكفر فيه زعيماً سياسياً علمانياً، على خلفية تصريحاته حول الحاجة إلى إصلاح قضايا الإرث وتعدد الزوجات، الأمر الذي أثار جدلاً أيديولوجياً بين الإسلاميين والعلمانيين. وخلال السنتين الماضيتين، تمت إعادة إحياء ملف آيت الجيد في كل مرة تتعارض فيها مصالح القصر مع حزب العدالة والتنمية. يبدو أن النظام يستغل هذه الانقسامات إلى أقصى حد، ويذكّر العلمانيين والإسلاميين من حين لآخر بخلافاتهم العميقة. 

ولايُخفي حزب الأصالة والمعاصرة – المقرب من القصر - مساندته للطلبة القاعديين. وقد نظم هذا الحزب يوم 5 أيار/مايو الجاري ندوة بعد أسبوعَين من مقتل الحسناوي أَكَّد فيها دعمه الطلبة القاعديين، وتحميل حزب العدالة والتنمية المسؤولية المعنوية لمقتل الطالب، معتبراً أن حضور حامي الدين في ندوة فاس ساهم على وجه الخصوص "في رفع التوتر بين الفصائل الطلابية"، و"أن عليه أن يدفع الثمن غالياً". 

بعد جريمة قتل الطالب عبد الرحيم الحسناوي، يبدو أن فرص التقارب بين الإسلاميين والعلمانيين تزداد صعوبة، فقد نجحت عملية الاغتيال فعلاً في توتير العلاقة بين الطرفين وزعزعة الثقة المفقودة أصلاً. دخل الطرفان في سجالات كلامية حادة: يتهم إسلاميون تيارات يسارية بعدم توجيه إدانة صريحة لعملية الاغتيال، ومحاولة تبريرها عبر استدعاء تاريخ العنف الطلابي في فترة التسعينات. أما حامي الدين فقد اتّهم أن من "خطط لهذه الجريمة يرفض أي تقارب بين اليسار والإسلاميين، ومازال مستمراً في نسف فكرة الحوار في انتظار التوقيت المناسب للعودة إلى التحكم والهيمنة". 

مع ذلك هناك إمكانية لرأب الصدع وتخفيف حدة التوتر. فقد أُطلِقت مبادرات متعددة لإنهاء العنف وتشجيع التسامح، أبرزها نداء منظمة التجديد الطلابي "لمناهضة العنف الجامعي"، التي تسعى إلى توعية الطلاب حول هذه المسائل وتناشد الفصائل الأخرى التخلّي عن العنف. كما أن أغلب الفصائل الطلابية تبدي استعدادها لنبذ العنف، إلا أنه مادام الانقسام على مستوى النخب مستمراً، من الصعب حصول تقارب بين الفصائل الطلابية في المدى المنظور، الأمر الذي يصب في مصلحة القوى المناهضة للإصلاح.

محمد مصباح زميل أبحاث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، يساهم بانتظام في صدى.