تثير الحرب السورية المستمرة منذ ثلاث سنوات غضب واستياء من الجيش في صفوف عدد كبير من السنّة اللبنانيين الذين يدعم معظمم الثورة السورية وتعتبر أن الجيش اللبناني أصبح مقرّباً جداً من حزب الله، أحد الداعمين الأساسيين لنظام الأسد. وقد أطلق الجيش وقوى الأمن خطة أمنية جديدة في نيسان/أبريل الماضي رداً على التهديدات الأمنية المتعاظمة في لبنان، بهدف فرض سيادة القانون عبر إنشاء حواجز تفتيش وتنفيذ مزيد من المداهمات على طول الحدود السورية-اللبنانية. وقد نجحت الخطة التي تعتمد على التعاون المتزايد مع حزب الله، في تحسين الوضع الأمني في البلاد في شكل عام والحد من التشنّجات بين السنّة والمؤسسة العسكرية. بيد أن الهجمات الانتحارية الأخيرة، لاسيما التفجير الذي وقع في إحدى الضواحي الشيعية في بيروت في 23 حزيران/يونيو الجاري، والهجوم في منطقة البقاع في 20 من الشهر نفسه، وفي طرابلس في 20 أيار/مايو الماضي، تكشف عن استمرار التوتّر في العلاقات بين السنّة والجيش على الرغم من التحسينات الطفيفة التي طرأت في هذا المجال. فالخطة الأمنية ليست سوى حل قصير الأمد يسلّط الضوء على غياب مجهود طويل الأمد من أجل إعادة بناء الثقة بالمؤسسة العسكرية لدى الطائفة السنية في لبنان.

يواجه الجيش اللبناني مهمة شاقّة للحفاظ على نوع من التوازن بين عمله على مكافحة الإرهاب من جهة وبين الإبقاء على صورة المؤسسة المحايدة التي ظهرت بعد اغتيال رفيق الحريري في العام 2005. لكن هذا الحياد تعرّض للتحدّي نتيجة النزاع الدائر في سورية، ولاسيما على ضوء طريقة تعاطي الجيش مع مشاركة أطراف لبنانية ممثّلة بكل من حزب الله والمقاتلين الجهاديين في الحرب السورية. نظراً إلى نفوذ حزب الله وتأثيره في لبنان، لم يتمكّن الجيش من فعل الكثير بشأن ضلوع الحزب في الحرب السورية، خوفاً من ردود الفعل الغاضبة على الساحة المحلية التي يمكن أن يثيرها اعتقال مقاتلي حزب الله لدى توجّههم إلى سورية. في المقابل، يملك الجيش مطلق الحرية في التضييق على الجهاديين السنّة لأنهم لايحظون بالدعم من أي قوة سياسية لبنانية كبرى. وكذلك، على النقيض من الجهاديين السنّة، لايشكّل المقاتلون الشيعة تهديداً كبيراً للدولة. فهم ينتمون إلى مجموعة قتالية ذات قدرات بنيوية وتنظيمية عالية، ويلتزمون بهيكلية راسخة وهرمية قيادية محكمة. أما الجهاديون السنّة فغير منضبطين، ولايلتزمون على مايبدو بقرارات القيادة السنّية، ويرى كثرٌ بينهم في الدولة اللبنانية مصدراً للقمع. لقد اتّهم عدد كبير من السنّة في لبنان المؤسسة العسكرية بتطبيق ازدواجية المعايير في الحملة التي تشنّها لوقف تدفّق المقاتلين اللبنانيين إلى سورية.

يعود هذا العداء المتنامي بين الجيش والسنّة في لبنان إلى ماقبل النزاع السوري. ففي العام 2007، خاض الجيش حرباً ضد تنظيم فتح الإسلام السنّي الجهادي في مخيم نهر البارد الفلسطيني، وقد استمرّت ثلاثة أشهر وأسفرت عن مقتل مايزيد عن 150 جندياً. وقد ازداد الجيش تصميماً على محاربة هذا التهديد الإرهابي الذي يطغى عليه الطابع السنّي، بعد أحداث حزيران/يونيو 2013 عندما لقي 18 جندياً على الأقل مصرعهم في صدامات وقعت في مدينة صيدا بين الجيش، المدعوم من حزب الله، وبين أنصار الشيخ السنّي أحمد الأسير، المعروف بعدائه لحزب الله. وقد كان انضمام عناصر من حزب الله للقتال إلى جانب الجيش اللبناني في هذه الصدامات، سيفاً ذا حدّين. فقد ولّدت هذه المحنة المشتركة رابطاً أقوى بين الجيش والحزب، لكنها عزّزت شكوك السنّة بأن الجيش والأجهزة الأمنية تتّجه نحو أن تصبح تحت سيطرة التنظيم الشيعي القتالي. وبلغت الروابط بين حزب الله والجيش اللبناني مستويات جديدة من التعاون إبان موجة التفجيرات التي استهدفت الأحياء الشيعية في العاصمة بيروت والمنطقة الحدودية في أواخر العام 2013 ومطلع العام 2014. وقد أسفرت هذه الهجمات - التي تبنّتها جبهة النصرة وفرعها في لبنان، كتائب عبدالله عزام، رداً على تدخل حزب الله في سورية - عن سقوط قتلى في صفوف المواطنين الشيعة والجيش اللبناني على السواء.

في مواجهة التهديدات المتعاظمة جراء التصعيد في سورية، سعى الجيش اللبناني للحصول على المؤازرة من حزب الله، لاسيما خلال الأشهر القليلة الماضية. بحلول العام 2013، كان الجيش اللبناني يتبادل معلومات أمنية قيّمة مع حزب الله، بما أتاح له التصدّي بفعالية لعدد من التهديدات. يقول مصدر عسكري إن تبادل الاستخبارات ساهم في نجاح الجيش في تفكيك شبكة إرهابية متورّطة في عشرات الهجمات التي وقعت في شباط/فبراير وآذار/مارس الماضيين.1 وجاء إعلان حزب الله بأن تدخّله في سورية يهدف إلى حماية لبنان من التهديد التكفيري من الجهاديين (العدو الذي حاربه الجيش لسنوات عدة) ليزيد من حدة اتهامات السنّة للجيش بالانحياز إلى الحزب. فقد أتاحت هذه الرواية للحزب والجيش على السواء، وضع الجهاديين اللبنانيين والسوريين في خانة العدو المشترك.

يتألف الجيش من مختلف الطوائف اللبنانية، بما يعكس النظام الطائفي في البلاد. لكن في الأعوام الأخيرة، يتولّى الشيعة والمسيحيون المناصب العليا الأساسية في المؤسسة العسكرية، مع العلم بأن هناك تحالفاً بين هاتَين الطائفتين بموجب اتفاق بين ميشال عون، رئيس التيار الوطني الحر، وحسن نصرالله، أمين عام حزب الله. وهكذا يختل الإجماع غير الرسمي على حياد المؤسسة العسكرية عندما يُنظَر إلى هذه الأخيرة بأنها تفضّل طائفة على أخرى. وتحاول الجماعات الإرهابية استغلال العداء السني المتعاظم حيال الجيش. فقد شجّعت جبهة النصرة السنّة اللبنانيين على الانشقاق عن الجيش في آذار/مارس الماضي. وتتيح هذه الدعوات للجماعات التابعة لتنظيم القاعدة استغلال نقاط الضعف لدى الجيش. فقبل عامَين فقط، استطاع الفلسطيني توفيق طه، العضو في كتائب عزام، تجنيد عناصر من الجيش اللبناني في التخطيط لهجمات إرهابية على ثكنات عسكرية.

يعتبر عدد كبير من اللبنانيين أن الجيش لايستمدّ شرعيته فقط من قدرته على القتال، إنما من مدى حياده في أوقات الصراعات الداخلية. لقد أتاح تعاون الجيش مع حزب الله لقوى الأمن تنفيذ مداهمات بحثاً عن فارّين مطلوبين للعدالة في العديد من القرى الشيعية في سهل البقاع، بما في ذلك مداهمات 10 نيسان/أبريل الماضي في بريتال، والتي لم يكن بإمكان الجيش تنفيذها لولا التعاون من حزب الله. ربما ساهمت هذه العمليات الأمنية في الحد من شعور الإجحاف لدى السنّة، بيد أن النظرة التي تعتبر الجيش مقرّباً من حزب الله ستستمرّ في تأجيج المخاوف الطائفية والمذهبية في غياب حوار حقيقي بين مؤسسات الدولة والمجتمعات السنّية المحلية.

منى علمي صحافية لبنانية فرنسية تكتب عن الشؤون السياسية والاقتصادية في العالم العربي. تساهم بانتظام في صدى.

تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. مقابلة مع الكاتبة.