فور إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن إصلاح منظومة الدعم الحكومي، بدءاً من المحروقات، شهدت شوارع القاهرة احتجاجات لم يُعرَف لها مثيل منذ أشهر. لم تكن هذه مسيرات من تنظيم الإخوان المسلمين، ولا تظاهرات لناشطين يساريين متمرّسين، بل كانوا مصريين عاديين غاضبين من السياسات الاقتصادية التي تتعارض مع الوعد بحياة أفضل الذي قدمته أحداث 30 حزيران/يونيو 2013.

لكن الاحتجاجات كانت محدودة النطاق. ففي حين نسمع الآن انتقادات واضحة للسيسي في وسائل الإعلام وفي الشارع المصري بطرق لم نكن لنتخيّلها قبل أشهر قليلة، لايزال التململ الاقتصادي والاجتماعي محدوداً. فالناس يشتكون لكنهم لايُهدّدون بإسقاط الحكومة. وفي ذلك دليلٌ على قدرة الحكومة المصرية على تطبيق سياسات اقتصادية مثيرة للجدل من دون أن تواجه خطر اندلاع اضطرابات واسعة النطاق.

في الثالث من تموز/يوليو الجاري، بدأت الحكومة المصرية تطبيق زيادة تدريجية في سعر الفئات المختلفة من المحروقات في البلاد. ففي حين ارتفع سعر غاز الأوكتان 95 من دون رصاص، الذي يُستعمَل عادةً في الآليات الجديدة والفخمة، بنسبة سبعة في المئة، سجّل غاز الأوكتان 80 (المستخدم في الحافلات العامة والخاصة والحافلات الصغيرة) زيادة بنسبة 78 في المئة. وازداد سعر الغاز الطبيعي، الذي يشكّل مصدر الوقود الأساسي لسيارات الأجرة في مختلف أنحاء مصر، بنسبة 175 في المئة. وقد كان لهذه الزيادة تأثير على الخدمات الأساسية من عدّادات سيارات الأجرة إلى أسعار المواد الغذائية. ويُتوقَّع أن تزداد كلفة السلع الاستهلاكية الإضافية، لاسيما المواد الغذائية، بنسبة 200 في المئة تعويضاً عن الخفوضات في دعم المحروقات، كما جاء في بيان صادر عن جهاز حماية المستهلك في مصر. 

وقد دافع السيسي عن الإجراءات معتبراً أنه من دونها، كان الدين الداخلي المصري ليرتفع من 1.7 تريليون جنيه مصري حالياً إلى ثلاثة تريليونات جنيه مصري (419 مليار دولار أميركي). يُجمع المصريون على الحاجة إلى إصلاح منظومة الدعم الحكومي، لكنهم يختلفون إلى حد كبير حول الشروط الدقيقة لهذا الإصلاح - بما في ذلك هل يجب إصلاح المنظومة الآن وإلا يتعذّر إصلاحها لاحقاً، أو هل يجب أن يتم أولاً تبنّي مقاربة أكثر تروّياً تأخذ في الاعتبار أجور المواطنين الفقراء وكلفة معيشتهم.

حتى الآن، لم تعتمد الحكومة المصرية نظماً للرعاية الاجتماعية أو إجراءات لحماية الفقراء. فالزيادات الجديدة في الأسعار والخفوضات الأخيرة في الدعم الحكومي تؤثّر في شكل خاص في أصحاب الدخل المنخفض. في كانون الثاني/يناير مثلاً، رفعت الحكومة الانتقالية برئاسة حازم الببلاوي أسعار المياه جنيهاً مصرياً واحداً (0.14 دولار أميركي) بصورة شهرية، لتصل الزيادة إلى نحو خمسين في المئة بعد 12 شهراً. تبلغ كلفة استهلاك المياه الآن 35 جنيهاً مصرياً (4.90 دولارات) - بدلاً من 24 جنيهاً مصرياً (3.40 دولارات) - لكل 20 متراً مكعّباً. لم يتم الإعلان عن هذا القرار للرأي العام، لكن مسؤولاً حكومياً قام بتسريبه مؤخراً لصحيفة الشروق.

على الرغم من الخفوضات الأخيرة، تُظهر الموازنة المالية المصرية للعام 2014-2015، التي دخلت حيّز التنفيذ في الأول من تموز/يوليو الجاري، أن الإنفاق على الدعم الحكومي والمنافع الاجتماعية سيزيد بنسبة واحد في المئة مقارنةً بالعام الماضي، مشكِّلاً بالتالي نسبة 31 في المئة من الموازنة - مع العلم بأنه لايزال أقل من مبلغ الـ253 مليار جنيه مصري الذي اقتُرِح تخصيصه لهذا النوع من النفقات في مشروعٍ للموازنة رفضه السيسي لاحقاً. واعتباراً من كانون الثاني/يناير المقبل، يصبح الحد الأدنى لأجور موظفي القطاع العام 1200 جنيه مصري، ماتترتّب عنه تكاليف أعلى من المبالغ المدّخرة من الخفوضات في الدعم الحكومي التي تسبّبت بارتفاع أسعار السلع الأساسية والاستهلاكية بالنسبة إلى جميع المصريين.

في حين أن الديون هي السبب المعلَن الذي أعطاه السيسي ورئيس الوزراء ابراهيم محلب لتبرير الخفوضات، تعهّد كلاهما بإعادة توزيع المبالغ التي يتم ادّخارها سنوياً جراء خفض الدعم الحكومي، لتمويل البرامج الاجتماعية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية. لكن نظراً إلى حدّة أزمة الديون المصرية والقانون الجديد الخاص بالحد الأدنى للأجور، يُستبعَد أن تتمكّن الحكومة من تطبيق برامج جذرية للرعاية الاجتماعية. وقد عبّر تقرير جديد صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن هذه المخاوف، مشيراً إلى أن الأموال التي سيتم ادّخارها نظرياً لن تُترجَم تمويلاً إضافياً لقطاعَي الصحة والتعليم. كما أن المخصّصات التي تقترحها الحكومة أقل من تلك التي يفرضها الدستور لقطاع الصحة (ثلاثة في المئة) والتعليم (ستة في المئة).

واقع الحال هو أن قدرة السيسي على تطبيق خفوضات كبرى في الدعم الحكومي من دون التسبّب بموجة واسعة من الاضطرابات تُظهر إلى حد كبير كيف استعادت الحكومة، بنجاح نوعاً ما، اللغة اليسارية لتأطير إصلاحاتها، عبر إعادة تسويق سياسات التقشّف بأنها شاملة ومفيدة وتقدّمية. يبدو أن السيسي تعلّم درساً من محاولة الرئيس الأسبق أنور السادات إجراء إصلاحات أكثر جذرية لمنظومة الدعم الحكومي في العام 1977. فقد أشعلت الإصلاحات في ذلك الوقت شرارة "انتفاضة الخبز"، ودفعت بالمصريين نحو مواجهة مع الجيش. وقد كانت الحكومة المصرية الحالية موضع ثناء لمقاربتها المتأنية نسبياً في التعامل مع إصلاح الدعم الحكومي في العام 2014. بيد أن هذا الأسلوب يعكس حذراً من تبنّي سياسة اقتصادية فجائية تقوم على العلاج بالصدمة كتلك التي انتهجها السادات، أكثر مما يعكس إصلاحات تقدّمية حقيقية الهدف منها استكمال إصلاحات الدعم الحكومي وحماية الفقراء في الوقت نفسه.

وقد فسّر البعض خفوضات الدعم الحكومي التي أقرّها السيسي بأنها مؤشّر عن أن مصر قد تسعى مجدداً إلى الحصول على قروض من صندوق النقد الدولي في المستقبل المنظور. من المقرّر إعادة إطلاق المباحثات في وقت لاحق هذا الشهر، وعلى الأرجح أنها ستُستأنَف من حيث توقّفت - أي قرض الـ4.8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي للحكومة المصرية الذي كان قيد التفاوض في عهد محمد مرسي، إلا أن المفاوضات لم تصل إلى خواتيمها لأسباب عدّة منها خشية حكومة مرسي من خفض الدعم الحكومي في مرحلة كانت تشهد معارضة واسعة وتململاً اقتصادياً واجتماعياً شديداً.

لكن خلافاً للموجات السابقة من معارضة الخفوضات المقترحة للدعم الحكومي، ظلّ تهديد الاحتجاجات للاستقرار الداخلي في مصر محدوداً. فبعد ثلاثة أعوام من الاضطرابات، أصيب المصريون بالإنهاك ويتطلّعون الآن إلى الأمن الاقتصادي وليس الثورة. التحدّي الأكبر المطروح على السيسي هو الحرص على ألا يُنظَر إلى الإصلاحات الاقتصادية بأنها متساهلة مع الأثرياء على حساب الفقراء، كما هو حال السياسة المصرية منذ عهد جمال عبد الناصر. لكن إذا استمرّت الحكومة في تطبيق سياسات تُلقي بعبء ثقيل على ثلثَي المصريين الواقعين في أسفل الهرم الاجتماعي (يُصنَّف نحو 60 في المئة من السكان في خانة أصحاب الدخل المنخفض)، سيزداد التململ الشعبي، وقد يتداعى الرباط المقدّس الذي نشأ بين السيسي والشعب المصري في ليل الثالث من تموز/يوليو 2013.

توم رولينز صحافي مستقل مقيم في القاهرة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية