محمد جهان-بارفار خبير اقتصادي أميركي-إيراني.
أعرب عدد كبير من صانعي القرارات والعقائديين البارزين في الجمهورية الإسلامية مراراً وتكراراً عن تشكيكهم في النموذج التقليدي للنمو والتنمية الاقتصادية. فهم يعتبرون التنمية الاقتصادية مخططاً غربياً، ولم ينفكّوا عن إبداء رغبتهم في السعي خلف أهداف أخرى.
من جهة أخرى، التزم الرئيس الإيراني حسن روحاني علناً تحسين معيشة الإيرانيين العاديين. لكن بعد انقضاء عام على تسلّمه الرئاسة، لاتزال إيران تعاني من مجموعة من المشاكل القصيرة والطويلة الأمد. ففي المدى القصير، يبقى الركود التضخّمي الناجم عن تشديد العقوبات الدولية، المسألة الأكثر إلحاحاً. فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة التضخم 40 في المئة بين العامَين 2012 و2013، وتراجع إجمالي الناتج المحلي بمعدّل نحو 6 في المئة. اليوم، لاتزال نسبة التضخم عند حدود 25 في المئة، ومن المتوقّع أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي 3 في المئة إضافية بحلول العام الفارسي الجديد (آذار/مارس 2015). المفارقة هي أن النمو الاقتصادي هو الذي قدّم لإدارة روحاني، من بين مختلف السياسات، فرصتها الأكبر للنجاح.
السبب الأساسي خلف هذا الركود المطوّل هو العقوبات، لاسيما تلك التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد أثبتت هذه العقوبات فعاليتها؛ فالاقتصاد الإيراني يعاني من تباطؤ شديد. وفي هذا الإطار، أقرّ أحد الوزراء الإيرانيين مؤخراً بأن مالايقل عن 50 في المئة من المصانع تعمل بأقل من طاقتها1. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق عن طريق التفاوض مع الغرب حول البرنامج النووي الإيراني، على الأرجح أن التجميد المتواصل للأصول الإيرانية سيتسبّب باستمرار الركود الاقتصادي. يكثر الحديث الآن عن المخاوف من الجمود والجيل الضائع. أما خريطة طريق المعافاة الاقتصادية الإيرانية التي أصدرها الفريق الاقتصادي في إدارة روحاني الأسبوع الماضي، فقد انطلقت من الافتراض الواضح بأن العقوبات الدولية ستبقى قائمة في المستقبل المنظور.
في غضون ذلك، لاتزال معدلات التضخم المزدوجة الأرقام بمثابة لعنة للاقتصاد الإيراني. فالتضخم المرتفع بصورة مستمرة، مقروناً بمعدلات البطالة المزدوجة الأرقام، والمشاركة المتدنّية من القوة العاملة، وانخفاض النمو في الإنتاجية، وتفشّي الفساد، والبيئة المعادية للأعمال التي تحبط روح المبادرة وريادة الأعمال، والمؤسسات المالية الضعيفة، والإدارة الماكرواقتصادية غير الفعالة، تسبَّبَ بأداء اقتصادي هو من الأسوأ في العالم في وقت السلم، خلال العقود الثلاثة الماضية. نقاط الضعف هذه تحجبها إلى حد ما الإيرادات النفطية الكبيرة التي تساهم في تعويم مستوى الدخل الفردي.
ليست لدى إدارة روحاني حتى الآن أية خطة لمعالجة هذه المشاكل الطويلة الأمد. فخطة المعافاة التي تم نشرها لاتحدث سوى تغييرات طفيفة في السياسات الاقتصادية التي كانت معتمدة قبل أحمدي نجاد، والتي فشلت بوضوح في توليد نمو مستدام وإبعاد شبح التضخم. لاتقدّم الخطة حلولاً مبتكرة، بل إنها أشبه بلائحة تمنّيات تستند إلى افتراضات وتوقّعات غير منطقية (أي استخدام "المال الساخن") أساساً لتحقيق النتائج المرجوّة (جمع الرساميل للاستثمار في البنى التحتية). الجديد في الوثيقة هو رغبة السلطات غير الحكيمة في إلغاء معايير الاكتتاب في القطاع المالي، مايعني أنه سيصبح بإمكان المصارف إقراض الأموال بالاستناد إلى تقديرها الخاص بدلاً من التقيّد بإجراءات تحوّطية خاصة بعملية الإقراض. سوف تطلق هذه السياسة العنان للمخالفات والفساد، وتتسبّب بالقمع المالي وتقنين القروض. بصريح العبارة، يهيّئ فريق روحاني الساحة لأزمة مصرفية في المستقبل غير البعيد.
تُبيّن الوثيقة أيضاً حدود الأدوات المتوافرة للسياسة الماكرواقتصادية الإيرانية. منذ منتصف الثمانينيات، ألغى المسؤولون استهداف سعر الفائدة من عملية صنع السياسات. فردّت السلطات النقدية بزيادة عرض النقود. لكن في غياب سوق ديون متطورة وناشطة، يؤدّي ذلك إلى توسيع القاعدة النقدية بطريقة يكاد يستحيل العودة عنها، وإلى ارتفاع التضخم بشكل مستمر. على سبيل المثال، أدّى التفاؤل الذي رافق انتخاب روحاني العام الماضي، فضلاً عن نجاح فريقه في الانخراط في مفاوضات مع مجموعة خمسة زائد واحد، إلى خفض التوقعات التضخّمية وإلى تراجع التضخّم الفعلي من 40 إلى 25 في المئة في البداية. بيد أن الإدارة الإيرانية تقرّ بأن القاعدة النقدية توسّعت بنسبة 27 في المئة في السنة المالية 2013-2014. ببسيط العبارة، يمكننا أن نتوقّع بكل ثقة جولة جديدة من التضخم المرتفع في 2014-2015.
أدّى تحويل سعر الفائدة إلى مسألة سياسية ودينية - عبر تطبيق الصيرفة الإسلامية التي تلغي نظام الفوائد المصرفية - إلى ظهور مجموعة من النتائج غير الحميدة. ففي غياب أسعار فائدة تستند إلى السوق، لايستطيع المستثمرون إجراء تحاليل دقيقة للتكاليف والمنافع، وغالب الظن أنهم سيحجمون عن توظيف أموالهم في استثمارات طويلة الأمد. وبما أن الاستثمار الخاص هو المحفّز الأساسي لاستحداث الوظائف، لايزال الاقتصاد الإيراني يرزح تحت وطأة البطالة المرتفعة وانخفاض الإنتاجية.
من أجل معالجة هذه المشاكل الطويلة الأمد، كان ينبغي على إدارة روحاني تعزيز مؤسساتها المعنية بصنع القرارات وتحسين مصداقيتها. بيد أنها قامت عملياً بالنقيض تماماً. فمن خلال الدعوات المتكرّرة لرجال الدين الشيعة بغية الحصول على دعمهم في المسائل اليومية، ألحق فريق روحاني أضراراً طويلة الأمد بسلطة المؤسسات الاقتصادية وفعاليتها.
بعد عام على وصول روحاني إلى سدّة الرئاسة، عليه أن يعيد تقويم سياساته الاقتصادية وفريقه الاقتصادي. فمستقبل 78 مليون نسمة بين يدَيه. والتمسّك بسياسات مجرَّبة وفاشلة لن يُشرِّع الأبواب أمام مستقبل أكثر إشراقاً.
* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.
1. محمد رضا نعمت زاده، وزير الصناعة والتعدين والتجارة - 30 تموز/يوليو 2014.↩
