عندما أصدرت المحاكم المصرية حكماً بالإعدام بحق ألف مدّعى عليه في ربيع 2014، وعندما قبل أشهر تمت تبرئة الرئيس المصري السابق حسني مبارك من انتهاكات حقوق الإنسان على الرغم من التعذيب الموثَّق على امتداد عقود عدّة، وهكذا طُرِحت تساؤلات جدّية عن استقلال القضاء. فمن بين كل المؤسسات، كان يُعتقَد أن القضاء المصري هو الأقل عرضةً للتورّط في مثل هذه الانتهاكات للحقوق الفردية. بيد أن نظرة عن كثب تكشف أن الجهود التي بذلها مبارك لتقويض استقلال القضاء نجحت في توليد سلطة قضائية محافظة دعمت قيادتها العليا الخطاب المؤيّد للاستقرار الذي أدّى إلى عودة الجنرالات إلى الحكم. نتيجةً لذلك، يُستبعَد أن تتحقّق الإصلاحات القانونية من داخل القضاء.

لكن الأمور لم تكن دائماً على هذا النحو. فقد كان القضاء المصري يعتزّ بقضاته الذين يسهرون جيداً على استقلاليته. فعدد كبير من القضاة المصريين اعتادوا التصدّي لمخالفات السلطة التنفيذية. ولكن هذه النزعة من الاستقلالية هي التي أدّت في نهاية المطاف إلى إخضاع القيادة القضائية للدولة العميقة السلطوية. فبعدما استعرضت المحكمة الدستورية عضلاتها طوال عقد ونيف، لصالح توسيع الحقوق السياسية والمدنية، أصدرت قراراً فريداً من نوعه يقضي بتكليف القضاة الإشراف على الانتخابات. وقد منح هذا القرار زخماً لحركة استقلالية ناشئة داخل نادي القضاة من أجل تحدّي اليد الطولى للسلطة التنفيذية في العلن، والمطالبة باستقلال ذاتي أكبر للقضاء.

أدرك مبارك في تلك المرحلة أن بقاءه السياسي يتوقّف على ترويض القضاء. وفي خطوة غير مسبوقة في العام 2002، اتّخذ قراراً أحادياً بنقل القاضي فتحي نجيب المعروف بولائه للنظام من وزارة العدل إلى رئاسة المحكمة الدستورية العليا، وكلّفه بأن يُعيّن في المحكمة قضاة غير مستعدّين لتحدّي السلطة التنفيذية. ثم حوّل مبارك أنظاره إلى القضاء العادي وحاول سحق الحركة الناشئة التي تطالب باستقلال القضاء. لهذه الغاية، استخدمت السلطة التنفيذية تحت مبارك أدوات مباشرة وغير مباشرة من أجل تحفيز ضبط النفس في السلك القضائي وإحباط الحراك القضائي. ومن تلك الأدوات توظيف مزيد من خرّيجي أكاديمية الشرطة في السلك القضائي، والتدقيق في سجلات الأشخاص قبل تعيينهم في مناصب قضائية لمعرفة إذا كانوا ينتمون إلى الحركة المطالِبة باستقلال القضاء أو المجموعات المعارضة، وتعيين قضاة موالين للنظام للنظر في القضايا التي تتعلق بالمصالح الأساسية للنظام. ولاتزال هذه الظروف مستمرة حتى يومنا هذا.

يعيّن وزير العدل أيضاً رؤساء المحاكم العليا من بين القضاة العاملين في محاكم الاستئناف، وبعضهم يتولّون أيضاً مناصب في مجلس القضاء الأعلى الذي يتمتّع بصلاحيات واسعة في تحديد رواتب القضاة وترقيتهم ونقلهم من منصب إلى آخر. يمكن استخدام هذه الصلاحيات لمكافأة القضاة أو معاقبة أولئك الذين يُعتبَرون غير موالين للنظام. على وزير العدل أو رئيس الجمهورية الموافقة على جميع القضاة الذين يُعيَّنون في هذه المناصب. مع مرور الوقت، تسبّبت هذه السيطرة من جانب السلطة التنفيذية بكبح استقلال القضاء. فمجلس القضاء الأعلى يؤدّي دور البوّاب، ماجعل الرؤساء المصريين السابقين يحرصون على أن يكون القضاة الذين يُعيَّنون فيه من الموالين للنظام أو من الأشخاص الذين يُعرَف عنهم عدم انتقادهم للدولة. بالفعل، لطالما اتهم الإصلاحيون السلطة التنفيذية بتعيين القضاة بالاستناد إلى الاعتبارات السياسية التي من شأنها أن تضمن التعاون من جانب مجلس القضاء الأعلى، وانصياع القضاء لمصالح النظام الأساسية.

نتيجةً لذلك، قد يُنقَل القضاة الذين يصدرون أحكاماً لاتناسب النظام، إلى منطقة نائية في جنوب مصر بعيداً عن عائلاتهم. وفي حال كان أحد القضاة مرشحاً لتولّي رئاسة محكمة استئنافية وكانت لدى النظام مخاوف من أنهم لن يحموا مصالحه الأساسية، يمكن أن يمنع ترقيتهم. وبالطريقة عينها، يُكلَّف القضاة المطيعون إنجاز مهام مربحة في وزارة العدل والمنظمات الدولية والسفارات في الخارج، فيما تُحجَب هذه المهام عن القضاة الذين اتّخذوا مواقف مستقلة. يصدر عدد كبير من هذه القرارات عن وزارة العدل، ويملك مجلس القضاء الأعلى صلاحية رفض قرارات الوزير، لكنه نادراً مايرفضها خوفاً من الثأر. وبما أن هذه القرارات تُتَّخذ سراً من دون إشراف عام، لاتُفرَض ضوابط كافية على وزارة العدل والرئاسة ومجلس القضاء الأعلى من أجل الحؤول دون إساءة استعمال السلطة.

وكذلك تسبّبت سياسة المحسوبيات والزبائنية في مصر أكثر فأكثر بتقويض استقلالية القضاء. فعلى غرار مؤسسات الدولة الأخرى، يرزح القضاء تحت وطأة المحاباة، وآلية التعيين بعيدة كل البعد عن الاعتماد على معايير الجدارة والكفاءة. غالباً مايتم تعيين قضاة من أفراد العائلة والمعارف على الرغم من افتقارهم إلى المؤهلات الأكاديمية اللازمة. مثلاً، لدى رئيس محكمة طنطة 21 ابناً وابن شقيق وشقيقة جميعهم قضاة أو مدّعون عامون، على الرغم من أن السجلات الأكاديمية لبعضهم لاتؤهّلهم لدخول السلك القضائي. ولدى تعيين هؤلاء القضاة، يفيدون أيضاً من معاملة خاصة، مثل الإجازات الطويلة أو التعيينات المؤقتة في مهام مختلفة، ولديهم أيضاً حظوظ أكبر بالموافقة على طلباتهم لنقلهم إلى محاكم أخرى.

اللجنة التي تحقّق في الانتهاكات الأخلاقية والقانونية المزعومة للقضاة هي أداة قوية أخرى تستخدمها الدولة لفرض الانضباط والطاعة في صفوف القضاة. على الرغم من المطالبات التي رفعها القضاة بنقل اللجنة إلى عهدة مجلس القضاء الأعلى، إلا أنها لاتزال خاضعة لسلطة وزارة العدل. يملك وزير العدل سلطة تعيين رئيس اللجنة واستخدامها لمعاقبة قضاة المحاكم العادية الذين يذهبون بعيداً جداً في تحدّي السلطة التنفيذية. فعلى سبيل المثال، طُرِد بعض القضاة من السلك القضائي بعد استخدام تحقيقات لاأساس لها من الصحة بهدف مضايقتهم وإحراجهم. ثم يُعرَض عليهم إغلاق ملفهم في مقابل استقالتهم من مناصبهم. ويُجبَر آخرون على مغادرة البلاد للحد من تأثيرهم على القضاة الآخرين.

منذ عزل مرسي، أنشأ القضاء "دوائر خاصة" داخل المحاكم الجنائية العادية للنظر في القضايا المهمة.1 لكن وبذريعة التسريع في إجراء المحاكمات وسط زحمة القضايا، وجدت السلطة التنفيذية وسيلة جديدة للتأثير في سير المحاكمات. يختار رئيس المحكمة الاستئنافية في كل جهة، الذي بدوره يعيّنه مجلس القضاء الأعلى،القضاة المعيَّنون في هذه المحاكم . يتّهم النقّاد السلطة التنفيذية بإنشاء هذه الدوائر لأداء الدور الذي كانت تضطلع به المحاكم الأمنية الخاصة في مرحلة قانون الطوارئ الذي طُبِّق طيلة عهد مبارك. فعلى امتداد ثلاثين عاماً، كانت القضايا المهمة توكَل إلى قضاة يستطيع النظام التعويل عليهم لمعاقبة المعارضين السياسيين.

على ضوء الأدوات المختلفة المستعملة من أجل كبح استقلال القضاء، ليس مفاجئاً أن أقساماً من السلطة القضائية تتعاون في حملة القمع التي تستهدف حالياً المعارضين السياسيين. فالمناخ السياسي الراهن يفرض ثمناً باهظاً جداً على القضاة الذين يجرؤون على تحدّي المصالح الأساسية للسلطة التنفيذية. وفي هذا الإطار، كان القضاة الذين أدانوا في العلن أحداث 3 تموز/يوليو 2013 معتبرين أنها انقلاب عسكري غير شرعي، موضع استهداف من لجنة التحقيق التابعة لوزارة العدل. فقد اتّهمت اللجنة القاضي زكريا عبد العزيز، رئيس نادي القضاة سابقاً عندما كانت حركة استقلال القضاء في أوجها، بالضلوع في أنشطة سياسية. وكذلك اتُّهِم القاضيان محمود الخضيري ومحمود مكّي، اللذان كانا أيضاً شخصيتين أساسيتين في الاحتجاجات المؤيّدة لاستقلال القضاء في 2005-2007، بالإنخراط في السياسة في انتهاك لقانون السلطة القضائية. وتجري حالياً عملية تطهير منظّمة للقضاء تطال عدداً كبيراً من القضاة الذين تجرأوا على تحدّي حكم مبارك قبل سنوات من اندلاع انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011.

لحسن الحظ، القضاء المصري متنوّع ويضم عدداً كبيراً من القضاة الملتزمين بإنشاء قضاء مستقل يستطيع حماية المصريين من الانتهاكات الحكومية والحفاظ على النظام العام. لكن بانتظار أن يتم تعديل القوانين التي تنظّم القضاء لتحريره من سلطة وزارة العدل والرئاسة، فإن استقلال القضاء في مصر سيظل إرثاً من الماضي البعيد ومجرد وعد أجوف.

سحر عزيز أستاذة مساعدة في كلية المحاماة في جامعة تكساس أيه أند أم حيث تدرِّس قانون الشرق الأوسط والحقوق المدنية والأمن القومي. مؤلفة "إسقاط انتفاضة: الثورة المصرية الجهيضة" و"ثورة من دون إصلاح؟ نقدٌ للقوانين الانتخابية في مصر".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية


1. تستند هذه المعلومات إلى مقابلات أجراتها الكاتبة مع قضاة في مصر