كريم شاهين، مراسل في "دايلي ستار" في بيروت.

أصبح لبنان وشعبه ضحية العجز الحكومي المستمر منذ ثلاث سنوات وغياب الاستراتيجية اللازمة للتعامل مع تدفّق اللاجئين السوريين بأعداد كبيرة. ونتج عن ذلك أزمةٌ أنهكت البنى التحتية للبلاد وصولاً إلى انهيارها، ووضعت اللاجئين في منافسة مع اللبنانيين الفقراء، وتسبّبت بمجموعة من المتاعب الأمنية.

يضم لبنان أكثر من 1.1 مليون لاجئ سوري مسجّل، نصفهم تقريباً هم دون سن الثامنة عشرة. أربعة من أصل خمسة أطفال لاجئين هم خارج المدرسة مع انطلاق السنة الدراسية. لقد باتت أعداد اللاجئين كبيرة جداً إلى درجة أن عدد سكّان لبنان يتجاوز العدد المتوقّع لسنة 2050، بحسب أنطونيو غوتيريس، المفوّض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقد حُمِّل اللاجئون السوريون مسؤولية الأحداث الأخيرة وأبرزها سيطرة مقاتلين يعلنون ولاءهم لجبهة النصرة والدولة الإسلامية، لفترة وجيزة على بلدة عرسال السنية في الشمال الشرقي، على مقربة من الحدود مع سورية. يُعتقَد أن بعض المقاتلين كانوا يقيمون في مخيمات اللاجئين المنتشرة حول البلدة. وقد أُحرِقت المخيمات جزئياً خلال الحصار الذي نفّذه الجيش اللبناني رداً على سيطرة المقاتلين على عرسال، ومنذ ذلك الوقت، تتعرّض مخيمات أخرى للهجمات والمداهمات بصورة دورية إبان قيام الجهاديين الذين هاجموا عرسال بخطف جنود وأسرهم وقطع رؤوس بعضهم.

تَقدّم السكان في بعض البلدات ذات الأكثرية المسيحية لملء الفراغ الأمني الذي خلّفته الحكومة. وقد فرضت بلدات عدّة حظر تجوال تاماً على اللاجئين، عبر منعهم من مغادرة منازلهم ليلاً. على سبيل المثال، ناشدت البلديات في منطقة البترون السكّان التطوّع في شرطة البلدية لإنشاء مراكز مراقبة والمشاركة في الدوريات التي تستهدف اللاجئين السوريين هناك، والذين يتذمّر بعضهم من سوء المعاملة والتمييز بحقّهم.

لم تبدأ الحكومة اللبنانية بالتحرّك سوى مؤخراً. يكتسب اقتراح لبناء مخيمات للاجئين بين عرسال والحدود السورية زخماً، ويشكّل مطلباً أساسياً بعد سيطرة داعش والنصرة على البلدة. حتى أبناء البلدة الذين لطالما دعموا المعارضة السورية يؤيّدون الاقتراح، لكن الحكومة لم تقرّه بعد.

لطالما كان بناء مخيمات اللاجئين بمثابة مادّة سياسية متفجّرة بالنسبة إلى الحكومات اللبنانية التي تخشى المقارنة مع الوجود الفلسطيني في البلاد ودوره في الحرب الأهلية بين 1975 و1990. بيد أن داعمي الاقتراح يقولون إنه من الضروري تعزيز الأمن ورصد اللاجئين السوريين، فعدد كبير منهم غير مسجّل ولايحمل أوراقاً ثبوتية كاملة.

لكن وسط تدفّق اللاجئين، يعاني هؤلاء واللبنانيون على السواء من العجز الحكومي منذ سنوات. لقد أدّى الارتفاع الشديد في أعداد سكّان لبنان إلى إلقاء عبء ثقيل على شبكته الكهربائية، ماتسبّب بزيادة كبيرة في ساعات التقنين، وكذلك على النظام التعليمي الذي لم يعد قادراً على استيعب الأولاد السوريين. أسوأ من ذلك، يعيش 85 في المئة من اللاجئين السوريين وسط شريحة الثلثين الأشد فقراً بين اللبنانيين - على سبيل المثال، لجأ الفلسطينيون الهاربون من العنف في سورية إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان ليزيدوا من الاكتظاظ في تلك المخيمات التي تعاني أصلاً من الفقر والكثافة السكانية العالية. كما أن قسوة الظروف تدفع بالفلسطينيين القادمين من سورية والمهجّرين مرتين، إلى الهروب على متن مراكب المهاجرين غير الآمنة إلى البلدان الأوروبية على طول الساحل المتوسطي. وقد لقي بعضٌ مصرعهم في طريقهم إلى هناك.

بادرت الحكومة اللبنانية متأخّرةً إلى اتخاذ إجراءات مؤقتة منها التشدّد في ضبط الحدود ونزع صفة اللجوء عن السوريين الذين يعودون إلى بلادهم بدافع الزيارة. لكن هذه الإجراءات ليست كافية لمعالجة التشنّجات والتداعيات الأمنية والاقتصادية الناجمة عن أزمة اللاجئين غير المسبوقة. وليس واضحاً إذا كان اقتراح جوهري مثل إنشاء مخيمات للاجئين يمكن أن يحلّ الأزمة في هذه المرحلة المتأخرة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.