مراد أوشيشي أستاذ مادة الاقتصاد في جامعة بجاية في الجزائر ومؤلف "الأسس السياسية للاقتصاد الريعي في الجزائر" (2014).

شهد الاقتصاد الجزائري إجراءات مهمة لإعادة الهيكلة والإصلاح منذ ثمانينات القرن الماضي. لكن بعد انقضاء أكثر من عقدَين، لم يعرف الأداء الاقتصادي تغييراً يُذكَر. بالفعل، وعلى الرغم من أن البلاد تتمتّع بدرجة من الاستقرار المالي - لاسيما بفضل الإيرادات النفطية - لايزال الاقتصاد يعاني من الركود.

من الواضح أن صانعي السياسات لم يخضعوا لا للضغوط الداخلية ولا للشروط والتوصيات الصادرة عن صندوق النقد الدولي من أجل دفع الاقتصاد في اتّجاه مختلف. هذا التناقض بين تراكم الثروات (التي نجحت البلاد في تحقيقه بفضل إيراداتها النفطية الكبيرة واحتياطياتها من العملات الأجنبية) والأداء الاقتصادي الرديء هو من عوارض الخيارات السيئة في السياسات. يجب أن يشكّل تحليل المنظومة السياسية وقيودها وتناقضاتها نقطة الانطلاق لأي نقاش عن المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الجزائري وتلك التي يمكن أن تؤثّر في العملية الانتقالية في البلاد.

يتبع الاقتصاد الجزائري إلى درجة كبيرة توجيهات الدولة وليس قوى السوق الحرة. لقد سعت المنظومة الإدارية السياسية التي أنشئت بعد استقلال الجزائر في العام 1962 إلى إرساء مثال أعلى يوطوبي مستوحى من اقتصاد السوق. وأملت الحكومة بتفادي اللامساواة التي تتسبّب بها السوق، لذلك كان من الضروري مراقبة الإنتاج وتوزيع السلع والخدمات عن كثب وفرض تنظيمات مشدّدة عليهما. لكن النموذج الذي لايزال سائداً حتى يومنا هذا لم يحل دون حدوث اللامساواة، لابل ساهم في تفاقمها. فقد غذّى هذا الاقتصاد الريعي الفقر والهدر والفساد، وأحبط النمو الاقتصادي العضوي الذي لايستند إلى الإيرادات النفطية.

علاوةً على ذلك، تسبّب هذا النموذج الريعي في شكل أساسي بالإبقاء على المنظومة السلطوية في البلاد. فمادام هناك رابطٌ لاينفصم بين السياسة والاقتصاد في الجزائر، ستبقى العوائق قائمة أمام التغيير. الحكومة الجزائرية مسكونة بهاجس السيطرة على كل مستويات السلطة بما في ذلك الاقتصاد، مايحول دون تمكّنها من اتّخاذ الخيارات الصحيحة في مجالات التنمية الاقتصادية والتحرير الاقتصادي والنمو.

على الصعيد السياسي، حمى النظام الجزائري نفسه من ظهور قوى سياسية منافسة ومجتمع مدني يتمتع باستقلال ذاتي عبر فرض حظر مباشر على مختلف أشكال النشاط السياسي التي تحدث خارج أجهزة الدولة. وليس انتشار الفضائح - لاسيما في القطاع المالي والأسواق العامة - والحرمان من التمثيل السياسي والنقابي الحر، وحظر التظاهرات العامة، والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، سوى خير دليل على الانهيار السياسي الذي تعاني منه البلاد.

بيد أن عوامل عدّة ربما تقدّم بارقة أمل. أولها هو إمكانية ظهور قطاع خاص يتمتّع باستقلال ذاتي؛ فالتحرير الاقتصادي الجزئي قد يُفسح في المجال أمام ظهور نخبة اقتصادية في القطاع الخاص وربما في القطاع غير النظامي أيضاً، والتي من شأنها أن تدرك بدورها أن مستقبلها يتوقّف على تغيير السياسات الاقتصادية. العامل الثاني هو الضغوط التي يمكن أن يمارسها الشركاء الأجانب من أجل التغيير. فقد تُقرّر البلدان الغربية - بما فيها تلك التي تشكّل الاتحاد الأوروبي - الضغط على الجزائر لتأدية دور أكبر مما قامت به حتى الآن، وقد تدفع باتجاه اعتماد خطة إنمائية أكثر قوة وفعالية. أما العامل الثالث فيتمثّل في صعود النقابات المستقلة التي تشكّل حالياً جزءاً من المجتمع المدني الجزائري، والتي يمكن أن تنمو مع مرور الوقت وتصبح ذات تأثير.

أخيراً، خلافاً لما يقوله بعض المحلّلين، ليس المجتمع الجزائري محصّناً من الاضطرابات التي تتفشّى في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. فثورة الياسمين في تونس، وسقوط مبارك ومن ثم مرسي في مصر، وإطاحة النظام الليبي عن طريق العنف، والنزاع السوري، كلها أحداث تُظهر بوضوح أن التطلّعات إلى حياة أفضل تشكّل واقعاً سوسيولوجياً أساسياً بالنسبة إلى شعوب هذه المنطقة. وليس بإمكان المجتمع الجزائري أن يبقى إلى ما لانهاية على هامش هذه التطوّرات التاريخية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.