نايثان هودسون، طالب دكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية في جامعة برنستون حيث يتخصّص في تاريخ الاقتصاد السعودي.

قررت السعودية عدم خفض الإنتاج النفطي رداً على تراجع الأسعار، لأنها اعتبرت أن ذلك يصبّ في مصلحة الاقتصاد في المدى الطويل. لطالما شدّد وزير النفط السعودي، علي النعيمي، على أن السعودية تنطلق في سياستها النفطية من الرغبة في الحفاظ على حصة البلاد في السوق وإبعاد المنتجين الأقل فاعلية.

مما لاشك فيه أن النعيمي منطقي في كلامه. فكلفة الإنتاج النفطي الشديدة الانخفاض في السعودية، والطاقة الإنتاجية الفائضة التي تتمتع بها البلاد، ومصلحتها الثابتة في الإفادة من احتياطياتها الهائلة، هي جزء من استراتيجية السوق المنطقية التي تنتهجها الرياض والتي تتّسم بعدم الاستعداد لخفض الإنتاج. واقع الحال هو أن تكاليف الإنتاج المنخفضة وفائض الطاقة الإنتاجية يجعلان حسابات السعودية مختلفة حداً عن حسابات المنتجين الآخرين. في حال قرّر صنّاع القرار السعوديون إنتاج نحو ثلاثة ملايين برميل إضافي من النفط في اليوم، فسوف يجنون مبالغ طائلة بغض النظر عن السعر. وفي معرض ذلك، يضمنون احتفاظ السعودية بنفوذ واسع في أسواق النفط، عبر حفاظها على موقعها الذي يجعل منها المنتِج البديل الأوحد للنفط في العالم.

شكّل الضرر اللاحق بخصوم الرياض الجيوسياسيين فائدة إضافية جيدة، لكنه لم يكن دافعاً محورياً، على الرغم من الآراء التي عبّر عنها المحللون وحتى رؤساء الدول، على غرار الرئيس الإيراني حسن روحاني.  ليس منطقياً الادّعاء بأن السعوديين مستعدّون لتعطيل مصدر الإيرادات الأساسي بالنسبة إليهم بهدف معاقبة إيران وروسيا. فالتخلي عن مليارات الدولارات من أجل أمل ضعيف بتحقيق أهداف بعيدة المنال في السياسة الخارجية يؤدّي في شكل مباشر إلى تراجع في المبالغ المتاحة لتسديد الأجور وتمويل الإعانات الحكومية والمشاريع الإنمائية. وكما كتب فهد ناظر، إذا كان السعوديون يستهدفون أعداءهم، فالتوقيت غير منطقي أيضاً.

قرار الإحجام عن محاولة الإبقاء على الارتفاع في أسعار النفط هو بالفعل رهانٌ كبير. إلا أنه لم يكن أمام السعوديين الكثير من الخيارات البراغماتية في السياسات. فمن شأن خفض الإنتاج أن يشجّع الروس وسواهم على إنتاج مزيد من النفط، مايؤدّي إلى هبوط إضافي في الأسعار. وهكذا اختارت القيادة السعودية عدم خفض إنتاجها النفطي، انطلاقاً من يقينها بأن أسعار النفط ستتعافى بسرعة نسبياً (أي في غضون سنتَين أو ثلاث سنوات)، وبأنه بإمكان الحكومة أن تتحمّل التأثيرات الناجمة عن تراجع الإيرادات النفطية.

بيد أن أسعار النفط المنخفضة توجّه رسالة قوية إلى المسؤولين السعوديين لتذكيرهم بأنه يتعين عليهم العمل بجدّية على تنويع الاقتصاد السعودي والشروع في تطبيق إصلاحات فعلية على صعيدَي الإنفاق والعمل. لكنها لاتنذر بانفجار الاقتصاد السعودي من الداخل أو بانهيار الدولة. صحيح أنه بإمكان الحكومة السعودية أن تتحمّل الانخفاض في أسعار النفط لسنوات عدة، إلا أنها ستعاني من نفاد المال في المدى الطويل إذا لم تعمد إلى تطبيق إصلاحات أساسية. لكن السؤال الكبير هو متى؟ إذا استقر سعر النفط عند حدود 50-60 دولاراً أميركياً - كما يتوقّع المحللون في معظم المصارف الكبرى - وإذا كان بإمكان الحكومة السعودية أن تكتفي بتطبيق إصلاحات متواضعة، قد تنقضي عقود طويلة قبل أن تواجه المملكة أزمة مالية جدّية.

مما لاشك فيه أنه في حال سجّلت الإيرادات تراجعاً كبيراً لفترة طويلة، سوف يُحتِّم ذلك على السعوديين إيجاد طرق مبتكرة لخفض الإنفاق. لكن الحكومة ستعمد إلى تأجيل الخفوضات في الأجور والإعانات الحكومية لأطول فترة ممكنة. في الوقت الحالي، تُظهر موازنة 2015 أن الحكومة تنوي أن تستمر في الإنفاق، حتى على مشاريع كبرى، بغية الحفاظ على الثقة بالاقتصاد السعودي. اللافت هو أنه على الرغم من الزيادة الكبيرة في الإنفاق منذ العام 2002، ولاسيما منذ العام 2011، لاتزال نسبته من إجمالي الناتج المحلي كما هي (بين 30 و35 في المئة) منذ مطلع التسعينيات.

لايكف محللون كثر عن الحديث عن الوضع المالي المتميّز للسعودية، لكن الأكثرية لاتدرك كما يجب أهمية احتياطياتها الهائلة. بإمكان الحكومة أن تواجه عجزاً يصل إلى 38.6 مليار دولار - العجز المتوقَّع في العام 2015 - سنوياً طيلة عقد كامل قبل أن ينفد الاحتياطي. على الرغم من أنه لاأحد يتوقّع أن يحافظ الإنفاق على مستواه الحالي، إلا أنه بإمكان السعودية بالتأكيد أن تلجأ إلى الاستدانة في حال الحاجة، نظراً إلى أن نسبة الدين مقابل إجمالي الناتج المحلي هي الأدنى بين دول مجموعة العشرين. ناهيك عن قدرة السعودية على زيادة العائدات من الحيازات الأجنبية. وقد رفض وزير المال ابراهيم العساف مؤخراً الدعوات لإنشاء صندوق سيادي من أجل اعتماد مقاربة أكثر جرأة في إدارة الاحتياطيات السعودية التي يُعتقَد أنها تُستثمَر الآن بطريقة محافظة إلى حد كبير. لكن إذا أراد السعوديون أن يحاولوا كسب المال، يمكن أن تكون العائدات كبيرة وأن تساهم بالتالي في تحسين مالية المملكة.

تُطلَق دعوات على الملأ في السعودية من أجل تحقيق الشفافية والحكم الرشيد والتنويع الاقتصادي. وهناك أيضاً جرعة مفيدة من التشكيك في صوابية المقاربة التي تعتمدها الحكومة السعودية. ستشكّل إدارة التصوّر العام مسألة أساسية بالنسبة إلى الحكومة السعودية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى توسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد السعودي، والذي لابد من تحقيقه نظراً إلى حتمية خفض الإنفاق العام في المدى الطويل.

بعد سنوات عدّة، وعلى ضوء الوقائع والتطورات، سيُنظَر إلى القرار السعودي بأنه كان إما لامعاً وإما متهوراً. لكن في الوقت الحالي، يبدو أنه قرار استراتيجي يشكّل ربما الرهان الأفضل بالنسبة إلى السعوديين.