ربى حصري، مستشارة مستقلة ومحررة في Iraq Oil Forum.

مع تراجع أسعار النفط، يتعيّن على العراق زيادة إنتاجه النفطي للتعويض عن الأهداف الإنتاجية الضائعة خلال الأعوام القليلة الماضية. لكن كلما أنتجت الحكومة العراقية كميات أكبر كلما ساهمت في زيادة الضغوط على أسعار النفط العالمية ودفعها نحو التراجع أكثر فأكثر.

يأتي هبوط أسعار النفط في توقيت غير مناسب بالنسبة إلى العراق. يُتوقَّع أن تُسجّل الموازنة الدفاعية والأمنية زيادة كبيرة لتصل إلى 25 في المئة من إجمالي النفقات في العام 2015 مع اشتداد الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. يتعين على الحكومة الآن الاستدانة من الداخل والخارج لتغطية العجز الذي يُتوقَّع أن يبلغ 21.8 مليار دولار في العام 2015، بحسب مشروع الموازنة1. وكلما انخفضت أسعار النفط أكثر، سيزداد عجز الموازنة، الأمر الذي سيؤدّي إلى مزيد من الاستدانة فضلاً عن الحاجة إلى زيادة الطاقة الإنتاجية.

في آخر تراجعٍ لأسعار النفط - من الذروة مع 146 دولاراً للبرميل في منتصف 2008 إلى 38 دولاراً للبرميل في مطلع العام 2009 - خفّضت حكومة نوري المالكي موازنتها الوطنية من 72 مليار دولار في العام 2008 إلى 58 مليار دولار في العام 2009، وفتحت القطاع النفطي أمام الشركات الأجنبية. وعلى ضوء الفوائض المتراكمة من الأعوام السابقة والعجز عن إنفاق الموازنة الرأسمالية، بالكاد شعر العراقيون بتأثير الهبوط في أسعار النفط. سرعان ماتعافت الأسعار وارتفعت موازنة 2010 من جديد إلى 71 مليار دولار.

لكن اليوم، الآفاق أكثر اسوداداً. فالسياسات السيئة والفساد المستشري في ظل الحكومات السابقة تؤدّي إلى مضاعفة التأثير الناجم عن الهبوط في أسعار النفط. عندما ارتفعت أسعار النفط بعد الأزمة الاقتصادية في 2008-2009، وبدلاً من السعي إلى بناء اقتصاد السوق وإنشاء قطاع خاص سليم ونابض بالحيوية، استُخدِمت العائدات النفطية الكبيرة، في شكل أساسي، في تمويل التوظيف في القطاع العام. لقد استعملت الأحزاب الحاكمة هذه الإيرادات لتوسيع دائرة محسوبياتها على المستويَين المحلي والوطني. فقد تراوحت المخصصات المالية المقتطعة للنفقات التشغيلية - في شكل خاص الأجور والمعاشات التقاعدية وشبكات الأمان الاجتماعي - في الموازنات المتعاقبة على مر الأعوام الخمسة الماضية، عند حدود 70 في المئة من مجموع النفقات. بالفعل، سجّلت الأجور والمنافع، لاسيما تلك التي يتقاضاها كبار المسؤولين والنواب، زيادة كبيرة على حساب تطوير اقتصاد قابل للحياة. كما أنها حالت دون توظيف الاستثمارات اللازمة التي تشكّل حاجة ماسة في القطاع النفطي.

من جهتها، ردت حكومة عبادي على التراجع الأخير في أسعار النفط، باللجوء إلى الاستدانة. بموجب مشروع الموازنة لعام 2015 - الذي تمت صياغته على أساس احتساب سعر برميل النفط 60 دولاراً - تستدين الدولة من موظفيها عبر تطبيق منظومة للادّخار الإلزامي بحيث يحصل الموظفون فقط على حصة من الرواتب والمنافع المستحقّة لهم. وفي خطوة مستحدثة من غير المؤكّد أنها ستتبلور فعلياً على الأرض، ينص مادة 34 من مشروع قانون الموازنة للعام 2015 على إرجاء تسديد الدفعات لشركات النفط الأجنبية عبر تحويلها إلى سندات خزينة تصل قيمتها إلى 12 مليار دولار. هذا الإجراء هو بمثابة إعادة اقتراض الرسوم المستحقة على الشركات الأجنبية جرّاء إنتاجها للنفط، مع فائدة. بموجب مادة 2، ستحصل المحافظات العراقية على مايُعادل دولارَين للبرميل في إطار مخصصاتها من الأموال النفطية، التي سيتم توزيع 50 في المئة منها فقط، أما الخمسون في المئة المتبقّية فتوزيعها رهنٌ بزيادة العائدات النفطية خلال العام 2015. وسوف يتم تحويل المبلغ المتبقّي من المخصصات النفطية إلى موازنة العام 2016. 

كما في الدورات السابقة، سترتفع أسعار النفط من جديد. ومن شأن الخفوضات في النفقات الرأسمالية العالمية على التنقيب عن النفط وتطويره بدفع من تراجع الأرباح، أن تؤدّي في نهاية المطاف إلى خفض التوقعات الإنتاجية، وبالتالي إلى ارتفاع الأسعار - على الرغم من أنه لم تتضح بعد الصورة بشأن توقيت حدوث هذا التبدّل في النزعات ونطاقه. في الانتظار، سيستمر العراق في التخبط في معضلته النفطية. ينبغي على البلاد زيادة إنتاجها النفطي إلى أقصى حد في المدى القصير وتعزيز إيراداتها النفطية لتمويل الإنفاق المتزايد. لكن ذلك يعني الإمعان في بناء اقتصاد غير مستدام يعتمد على المبيعات النفطية.


1. بحسب مشروع الموازنة الذي أقرّته الحكومة. لم يصوّت مجلس النواب بعد على قانون الموازنة النهائي.