في الأول من آذار/مارس الجاري، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر حكماً اعتبرت فيه أن القانون الانتخابي غير دستوري في جزء منه، المادة الثالثة. بعد يومَين، علّقت المحكمة الإدارية الانتخابات بانتظار تغيير القانون الانتخابي. يصب قرار تعليق الانتخابات في مصلحة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لأنه يؤدي إلى تأجيل انتقال السلطات من الرئيس إلى مجلس النواب، وإلى تمديد حكمه الأحادي. كما أن المقاربة الإجمالية التي يعتمدها السيسي في التعامل مع الانتخابات البرلمانية تكشف عن سعيه إلى الحد من الدور السياسي لمجلس النواب كي يصبح مجرد لاعب سلبي غير مؤثّر في عملية صنع القرارت التي يسيطر عليها السيسي. تشكّل الانتخابات - التي كان من المقرّر إجراؤها على مرحلتين في آذار/مارس ونيسان/أبريل - المرحلة الأخيرة في خريطة الطريق الانتقالية التي وُضِعت بعد إطاحة محمد مرسي من منصبه في تموز/يوليو 2013. وسوف يكون مجلس النواب المنبثق عن الانتخابات، الهيئة التشريعية الأولى في مصر بعد قيام المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان في العام 2012 لأسباب تقنية. منذ ذلك الوقت، يمسك السيسي بزمام الصلاحيات التشريعة، وقد أصدر عدداً من القوانين المتعلقة بالاقتصاد المصري.

ترى الدولة في الانتخابات وسيلةً لإظهار شرعيتها عبر تقديم البرهان عن التزام النظام بالديمقراطية وبناء المؤسسات. كما أن وجود برلمان يساعد مصر على إقناع المستثمرين الأجانب، الذين يشكّلون حاجة ماسة للاقتصاد المصري، بأن العملية الانتقالية التي تشهدها البلاد تتسم بالاستقرار الكافي من أجل الاستثمار في مشاريع تجارية طويلة الأمد. لكن الأهم على الأرجح هو أنه بإمكان الدولة استعمال مجلس النواب كشكلٍ من أشكال "إدارة النخبة"1 من أجل استرضاء رؤساء العائلات ورجال الأعمال والسياسيين، وضمان الحصول على مساعدتهم في بسط الاستقرار والحفاظ عليه.

لكن على الرغم من أن الأرجحية تميل إلى وصول برلمان موالٍ للسيسي، لاتزال الحكومة غير متحمِّسة للانتخابات، إذ تخشى أن تضع النظام أمام عدد من التحدّيات المحتملة. فسوف يكون على مجلس النواب الجديد مراجعة كل القوانين التي أُقِرَّت منذ عزل مرسي في تموز/يوليو 2013، والموافقة عليها كي تبقى نافذة المفعول، مايُرتِّب على البرلمان العتيد مراجعة كل التشريعات التي أُقِرَّت على امتداد عامَين تقريباً، بما في ذلك التشريعات المثيرة للجدل مثل قانون التظاهر الصادر في العام 2014، والذي تحيط علامات استفهام كبرى بدستوريته، مايُفسح في المجال أمام إمكانية إبطاله أو تعديله. غالب الظن أن النظام والجيش سيعتبران أن عملية مراجعة القوانين هي مضيعة للوقت، بيد أن الاستمرار في تأجيل الانتخابات البرلمانية سيؤدّي إلى مزيد من التأخير في عملية المراجعة المحتومة.

بما أن حكومة السيسي لاتملك حليفاً برلمانياً شبيهاً بالحزب الوطني الديمقراطي في عهد مبارك، فقد عمدت إلى الحد من المساحة السياسية المتاحة أمام الأحزاب، مايحول دون قدرة هذه الأخيرة على التحرك بطريقة فعّالة ومجدية خارج دائرة نفوذ النظام. واقع الحال هو أن الدستور والقانون الانتخابي يقوّضان فعلياً قدرة الأحزاب المعارضة المحتملة على كسب حضور ذي شأن في البرلمان العتيد. يعزّز القانون الانتخابي الصادر في العام 2014 موقع الأفراد على حساب الأحزاب السياسية، عبر تخصيص أكثر من 70 في المئة من مقاعد البرلمان، وعددها 567، للمرشّحين المستقلين. كما في عهد مبارك، يعني التركيز على المرشحين المستقلين أن الأشخاص الذين يملكون شبكات واسعة من المعارف، لاسيما رجال الأعمال، يملكون الحظوظ الأوفر بالفوز بالمقاعد النيابية. على سبيل المقارنة، أعطى القانون الانتخابي الصادر في العام 2011، الأحزاب ثلثَي المقاعد المنتخبة عن طريق التمثيل النسبي.

لطالما نظرت المؤسسة العسكرية بعين الشك إلى الأحزاب السياسية، إذ تعتبر أنها تتصرف بدافع مصالحها الخاصة وليس بدافع المصلحة الوطنية الجامعة. والآن بعد وصول عسكري سابق إلى السلطة، بات من الأسهل تطبيق هذه المقاربة. فخلال اجتماع مع خمسة عشر رئيساً حزبياً، دعاهم الرئيس إلى تشكيل "قائمة موحدة" عبر الترشّح على قائمة واحدة سوف يمنحها دعمه. إذاً، بدلاً من دعم حزب سياسي واحد أو عقيدة سياسية واحدة، يحاول السيسي أن يحافظ على حياده السياسي عبر دعوة جميع الأفرقاء إلى التوحّد خلف رؤية وطنية. وهكذا بدلاً من اعتماد آلية تعدّدية تتمثّل فيها مجموعة منوّعة من الآراء، يتحوّل مجلس النواب مجرد هيئة سياسية تتألف من لونٍ واحد وتكتفي بدعم مشاريع الرئيس الوطنية.

تبدي بعض الأحزاب السياسية معارضتها لهذه المقاربة، ومنها حزب مصر القوية وحزب الدستور اللذان أعلنا مقاطعتهما للانتخابات. لكن هذه المقاطعة تزيد من احتمالات تحقيق ائتلافٍ موالٍ للسيسي أداء جيداً في الانتخابات. استجابةً للدعوة التي أطلقها السيسي لتشكيل ائتلاف انتخابي موحّد، قام سامح سيف اليزل، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية والخبير الاستراتيجي، بتأليف قائمة انتخابية تحت اسم "في حب مصر". على الرغم من بعض الانتقادات التي وجهها حزب الوفد للقائمة في البداية، إلا أنه يبدو أنها تتمتع بمكانة قوية على مشارف الانتخابات، كما أنها تلقّت جرعة زخم في منتصف شباط/فبراير الماضي بانضمام الحزبَين الليبراليين الأبرز، الوفد وحزب المصريين الأحرار، إليها. 

في حين يفضّل النظام الحالي المرشّحين الأفراد على الأحزاب، يسعى السيسي إلى تمكين الشخصيات العسكرية بدلاً من نخبة الأعمال التي كانت تتمتع بالنفوذ في عهد مبارك، والتي لايثق السيسي بعدد كبير من أعضائها. وقد شدّد على دور الدولة في الاقتصاد، ولمّح في مقابلة العام الماضي إلى أنه سيكون على القطاع الخاص أن يقبل بدور أقل من الدور الذي كان يؤدّيه في عهد مبارك. ويُبدي في شكل خاص تردداً في الاعتماد على الدعم من الأشخاص الذين تجمعهم صلات وثيقة بجمال مبارك، لأنه لايُريد أن يُربَط اسمه بالممارسات الفاسدة التي كانت سائدة في تلك الحقبة. بدلاً من ذلك، يسعى السيسي إلى ضم شخصيات مثل اليزل إلى مجلس النواب، الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى إقصاء السياسة الحزبية التقليدية، وأن يتيح للسيسي إحكام سيطرته على الآلية التشريعية. إلى جانب الجيش، ستضم هذه الطبقة السياسية الجديدة شخصيات سياسية مدنية ورجال أعمال لاتربطهم صلات وثيقة بالدوائر الداخلية لجمال مبارك. بدلاً من الاعتماد على قاعدة دعم عقائدية، سوف تتسبّب هذه الطبقة "غير المسيَّسة" بمزيد من التراجع في تأثير مجلس النواب على الحياة السياسية في مصر.

يبذل السيسي، مدفوعاً بعدم ثقته بالمجموعات السياسية المنظّمة، جهوداً حثيثة لجعل البرلمان والنخبة "السياسية" الجديدة في البلاد غير مؤثرَين سياسياً. يبدو أن الحياة البرلمانية في عهد السيسي لن تكون أكثر من مجرد أداة تكنوقراطية لمساعدة الرئيس، من دون توافر مساحة فعلية للمعارضة. 

محمد الشيوي كاتب وباحث مستقل يقيم حالياً في ألمانبا. يساهم بانتظام في صدى.


1. Lisa Blaydes, Elections and Distributive Politics in Mubarak’s Egypt, New York: Cambridge University Press, 2011.