روري مكارثي، طالب دكتوراه في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد، ومراسل سابق لصحيفة "الغارديان" في الشرق الأوسط.

لطالما بدا أن تونس بمنأى عن خطر الجهادية المتشددة، لكن بعد أربعة أعوام على انطلاقة الربيع العربي، أصبح التهديد من العنف السلفي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لقد سعى نظام بن علي، طيلة 23 عاماً، إلى إحكام قبضته على الأنشطة الدينية كافة وتعريف مايجب أن يعنيه الإسلام بالضبط للتونسيين. وبدأت مجموعات سلفية صغيرة تظهر في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين رداً على هذا الاحتكار من قبل الدولة التونسية والهمجية التي تعرّضوا لها في السجون، وبتحفيز من أفكار الخطباء الدينيين الخليجيين التي تُبَثّ عبر القنوات الفضائية.

بعد سقوط بن علي، تقدّمت هذه المجموعات الصغيرة لملء الفراغ السياسي، مستغلّةً الشعور بالإحباط والاستياء المنتشرَين على نطاق واسع في صفوف شباب المدن المحرومين. في البداية، ركّزت مجموعات على غرار أنصار الشريعة، وهو أول تنظيم سلفي كبير رأى النور في تونس، على التبشير بالعقيدة وفرض تطبيق قوانينها الأخلاقية، وعلى الحراك الاجتماعي. وسعت إلى استقطاب الشباب التونسيين العاطلين عن العمل الذين كانوا يشعرون بالغبن الشديد من المنظومة السياسية والاقتصادية التي فضّلت دائماً النخب الساحلية. وبحث الشباب ذوو الاتجاهات الدينية عن منابر جديدة للتعبير إذ سرعان ماتملّكهم الغضب من التنازلات الاستراتيجية التي قدّمتها حركة النهضة، التيار الإسلامي الأساسي في البلاد. وفيما كانت النهضة تتخبط من أجل تجنيد أعضاء شباب جدد، كانت أعداد السلفيين في ازدياد.

وكذلك تورّطت المجموعات المتشدّدة في الإجرام، وغالباً ماانخرطت في تهريب المخدرات والسلاح، لاسيما عبر الحدود الليبية غير المضبوطة. وفيما انزلقت ليبيا نحو حالة من عدم الاستقرار، بدأت الفرق الانتهازية الجديدة تنشط أكثر فأكثر في تجارة التهريب. وبات من الأسهل على المسلّحين التدرّب في ليبيا قبل العودة إلى تونس لشنّ هجمات، وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن القتلة في هجوم باردو تدرّبوا في الجهة الأخرى من الحدود.

في البداية، لم تدرك الحكومة الائتلافية بقيادة النهضة سريعاً فداحة المشكلة، وكانت لاتزال تعتقد أنه بإمكانها دفع المتطرفين نحو الاعتدال عبر جذبهم للانضمام إلى أسرة إسلامية كبيرة. بعد اغتيال السياسيَّين اليساريين شكري بلعيد ومحمد براهمي في العام 2013، حظرت الحكومة تنظيم أنصار الشريعة واعتقلت مئات الشبّان. لكن منذ ذلك الوقت، انقسمت الحركة الجهادية السلفية إلى عدد كبير من المجموعات الصغيرة. وفي معظم الأحيان، لم تبدِ الحكومة استعداداً للتمييز بين أولئك المنجذبين إلى التبشير غير العنيف بالسلفية الذين سعوا إلى تخيُّل رؤية دينية جديدة لتونس، والعدد الأصغر من المتشدّدين المصممين على سلوك طريق العنف.

وقد غادر نحو 3000 شاب تونسي للقتال في سورية والعراق، لاسيما مع الدولة الإسلامية، ويبدو أن مئات الآخرين توجّهوا إلى ليبيا. وداخل تونس، ازدهرت مجموعات صغيرة عدة، بما في ذلك كتيبة عقبة بن نافع في جبل الشعانبي على مقربة من الحدود مع الجزائر، والتي تسبّبت بمقتل العشرات من عناصر قوى الأمن في العديد من العمليات الصغيرة. كانت للكتيبة في البداية روابط مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ويبدو أنها مقرّبة أيضاً من الدولة الإسلامية في الوقت الحالي.

في مواجهة هذا التحدي، شنّت الحكومات المتعاقبة حملات توقيف بالجملة. ففي العام 2014، تم اعتقال مالايقل عن ألف مشتبه به، ومعظمهم ينتمون إلى خلايا صغيرة. وفي الأشهر الأولى من العام الجاري، جرى توقيف 400 شخص، بحسب رئيس الوزراء الحبيب الصيد. وأعلنت وزارة الداخلية عن تنفيذ عدد من المداهمات قُتِل فيها مشتبه بهم، على الرغم من أن هذه المداهمات أثارت أحياناً أسئلة أكثر مما قدّمت أجوبة. الشهر الماضي، أعلنت وزارة الداخلية أن القوى الأمنية قتلت رئيس كتيبة عقبة بن نافع التي ذكرت أنها مسؤولة عن هجوم باردو. لكن في اليوم التالي، تبنّت مجموعة مختلفة تطلق على نفسها اسم جند الخلافة، المسؤولية عن هجوم باردو، وأعلنت الولاء لتنظيم الدولة الإسلامية متوعِّدةً بتنفيذ مزيد من الهجمات.

لقد فضّلت كل الحكومات منذ العام 2011، الاستقرار في القطاع الأمني وقدّمته على الإصلاح. في الأسابيع الأولى التي أعقبت اندلاع الانتفاضة، حُلَّت الشرطة، لكن لاتزال البلاد تفتقر إلى الإصلاحات الراسخة والجذرية، لاسيما في وزارة الداخلية التي تعاني من نقص الشفافية. وكذلك لايزال النظام القضائي على حاله إلى حد كبير منذ عهد بن علي. ومؤخراً، تم اعتماد استراتيجيات جديدة لمكافحة الإرهاب، وجرى إنشاء قوة جديدة لهذه الغاية. وقال الرئيس الباجي قائد السبسي للتونسيين إنهم دخلوا في حرب ضد الإرهاب بعد هجوم باردو، متعهّداً: "سنقاومها إلى آخر رمق بلا شفقة وبلا رحمة". بيد أن الحكومات فضّلت التركيز على الاستقرار الأمني في خطابها بدلاً من الإقرار بالحاجة إلى حل سياسي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة خلف الأزمة الراهنة - إلى جانب الحاجة إلى وضع استراتيجية متأنّية ومحدّدة الأهداف ومستندة إلى الاستخبارات لمكافحة الإرهاب.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.