آلان ماكروم، مساعد أول في "سيرن أسوشييتس".

على الرغم من التغييرات المستمرة في الهيكلية الأمنية للدولة، لم يباشر لبنان حتى الآن في إصلاح شامل للقطاع الأمني. لقد أدّى غياب الحكومة الفعالة إلى ظهور عدد من المبادرات التي يموّلها مانحون أجانب، لكن جزءاً كبيراً من هذه البرامج يبالغ في تصوير أهدافه، وتُحرّكه مصالح المانحين أكثر منه مصالح المستفيدين الذين يُفترَض بهذه البرامج أن تكون في خدمتهم.

لكن هناك بوادر أمل. فوضْع مدوّنة قواعد السلوك لقوى الأمن الداخلي، انطلاقاً من معايير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يشكّل تطوراً مهماً في هذا السياق. وينطبق ذلك أيضاً على إنشاء نموذج للشرطة المجتمعية في منطقة رأس بيروت، مامهّد لحدوث تغيير على مستوى الثقافة المحلية، وساهم في تعزيز مستويات النزاهة والتملُّك والمبادرة من جانب الضباط. ويظهر ذلك من خلال توقيف أشخاص حاولوا بطريقة فاضحة دفع رشاوى لضباط في فصيلة رأس بيروت1.

وكذلك أطلقت قوى الأمن الداخلي "فريق التحليل" في فصيلة رأس بيروت، وقد أنشأه ضباط محليون، ويحظى بالدعم من جهة مانحة تعاونت مع الضباط من أجل تحقيق تملُّك المشروع والشعور بالاعتزاز. لأول مرة في تاريخ قوى الأمن الداخلي، استُخدِمت تقنيات رسمية للاختيار والتجنيد من أجل ضمان أن تتم عملية الانتقاء على أساس الكفاءة والمؤهلات، وجرى دعم هذه الآلية عبر تدريب الضباط في فرق. وكانت النتائج الأولى مشجّعة للغاية؛ فقد تراجع معدّل الجريمة في منطقة رأس بيروت بنسبة 40 في المئة في الأشهر الاثني عشر الأولى من المشروع، وكذلك انخفضت مخالفات السير بنسبة 20 في المئة، وسُجِّل تراجع كبير في مستويات السلوك المعادي للمجتمع. وقد حدّد فريق التحليل مجالات أساسية للتعلّم واكتساب المعارف، فضلاً عن تحديد نقاط الضعف، والممارسات الجيدة، ولأول مرة، كان هناك تعاون داخلي حقيقي.

يكمن التحدّي في الانتقال من "جزيرة التفوق إلى مركز للتفوق" في مختلف أنحاء بيروت، ومن ثم لبنان. يجب القيام بالكثير من العمل لتعزيز فلسفة الشرطة المجتمعية الجديدة وتحويلها اتجاهاً سائداً في البلاد. يشير الاستخدام الفعال للشرطة المجتمعية والالتزام المجتمعي، الذي يحظى بالقبول على نطاق واسع في المملكة المتحدة باعتباره عامل نجاح أساسياً في دعم الاستراتيجية البريطانية لمكافحة الإرهاب، CONTEST، إلى أنه ينبغي على بناء الشرطة المجتمعية وتعزيزها أن يساهم في زيادة مقاومة المجتمعات للتطرف العنفي، والحؤول دون تحول الأشخاص إلى "إرهابيين"، وتطوير سيادة القانون، وكلها محورية في جهود مكافحة الإرهاب.

من المهم، في إطار إصلاح القطاع الأمني، الإدراك بأنه يمكن الجمع بين مكافحة الإرهاب، والحفاظ على حقوق الإنسان، والشرطة المجتمعية من دون أن تُقصي الواحدة الأخرى. فإجراءات مكافحة الإرهاب تحتاج إلى معايير حقوق الإنسان حرصاً على ألا يُقوِّض تطبيقها الهدف الذي وُضِعت من أجله، أي حماية مجتمع ديمقراطي والحفاظ عليه. في الواقع، ليس بمقدور إصلاح القطاع الأمني في لبنان أن يجد حلاً لعدد كبير من الثغرات العميقة في الشرعية السياسية، والتي تتسبّب بخلل أمني وأعمال عنف في البلاد، لكن بإمكانه أن يقدّم مساهمة مهمة لتغيير السلوكيات والمواقف من العلاقة بين السلطة والشعب. لهذه الغاية، يجب أن يستند إصلاح القطاع الأمني إلى مبادئ الشرعية العامة، والمساءلة، والشفافية. المطلوب الآن هو البناء على إجراءات محلية أثبتت نجاحها، مثل الإجراءات في رأس بيروت.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. بالاستناد إلى مقابلات أجريت في فصيلة رأس بيروت.