شهرزاد بن حميدة باحثة دكتوراه في جامعة قرطاج في تونس وجامعة بيار منداس فرانس بفرنسا، ومساعدة في مجال التعليم العالي ونائبة الرئيس في المرصد التونسي للأمن الشامل.
 
لئن تصدّر إصلاح  قطاع الأمن قائمة الأولويات سابقاً في تونس غداة سقوط نظام بن علي، بيد أن تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية الدموية - التي استهدف آخرها فندقاً سياحياً في 26 حزيران/يونيو الماضي في  مدينة سوسة- ما انفك يرجئ  الانكباب على هذا المطلب حتى كاد يغيّبه.
 
وأمام تعالي الأصوات المنادية بالمصادقة على قوانين لمكافحة الإرهاب وتحصين قوات الأمن، يجد المواطن نفسه عالقاً بين مطرقة الإرهاب وسندان الشرطة، فاقداً للضمانات الضرورية لإرساء توازن بين التصدي الناجع للتهديدات الإرهابية واحترام الحقوق المدنية. غياب هذه المعادلة يرتبط في جزء منه بالاعتقاد المغلوط بأن عملية الإصلاح هي ترفٌ مؤسساتي متاحٌ فقط عندما لايكون هناك وجود للتهديدات الإرهابية. لكن هذا الموقف يتجاهل واقع أن الإصلاح يشمل أيضاً التغييرات البنيوية الضرورية لتحقيق الأمن من دون الحد من الحريات المدنية.
 
التخطيط الاستراتيجي في مجال رسم السياسات العامة للأمن ومتابعتها وتقييمها أكثر فاعلية في إصلاح القطاع الأمني من القرارات المرتجلة أو المسقَطة التي يتم اتخاذها بردود فعل على هجمات محدّدة. فالقرارات التي تم الإعلان عنها إثر هجوم سوسة – حول إعادة النظر في الرخص الممنوحة لبعض الأحزاب والجمعيات وغلق المساجد الخارجة عن سيطرة الدولة وتقييد السفر في اتجاه بعض الدول على كل الشباب التونسيين البالغين من العمر أقل من خمسة وثلاثين عاماً –  أدّت إلى إحياء المخاوف لدى الرأي العام حول عودة النظام البوليسي. هذا بالإضافة إلى أنها تثيرتساؤلات جدّية حول مدى  فاعليتها في غياب سياسة  وطنية متكاملة لمكافحة الإرهاب.
 
اليوم وبالرغم من قتامة المشهد الأمني في تونس والحاجة إلى إعطاء الأولوية لمكافحة الإرهاب، لايزال هناك أمل بإصلاح القطاع الأمني في البلاد. يُبدي المواطنون استعداداً متزايداً للضغط على الحكومة من أجل تحقيق تغيير مجدٍ، ومن آليات الضغط المعتمدة مبادرة "اليقظة المجتمعية" ضد التجاوزات من الشرطة.
 
فضلاً عن ذلك، منذ اندلاع الثورة، جرى رصد غالبية الانتهاكات التي ترتكبها الشرطة وتوثيقها، ماأدّى إلى  الكشف عنها على الملأ وتعبئة الرأي العام ضدها، بهدف مساءلة السلطات التونسية. فعلى سبيل المثال، بعد قيام عنصرَين أمنيين باغتصاب فتاة في العام 2012، خضع المتورّطان للمحاكمة بعدما حشدت هذه القضية المجتمع الأهلي. في السياق نفسه، أقيل ضباط من مناصبهم مؤخراً على خلفية ممارستهم العنف ومنعهم المدنيين من زيارة المقاهي والمطاعم في ساعات النهار خلال شهر رمضان.

صحيح أنها إجراءات صغيرة، إلا أنها تُظهر أن التونسيين، بالرغم من مساندتهم لمجهود قوات الأمن في التصدي للإرهاب، لايزالون يتمسكون بالمساءلة ويرفضون الممارسات السلطوية. لكن  تبقى الحاجة أكيدة إلى مزيد من الإرادة السياسية الواضحة لتحقيق إصلاحات واسعة النطاق.