بعد التأجيل مرات عدة، أعلنت اللجنة العليا للانتخابات في مصر في 30 آب/أغسطس الماضي، برنامج الإجراءات الانتخابية ومواعيد الاقتراع، وقد حدّدت جولتَين انتخابيتين: الأولى بين 17 و19 تشرين الأول/أكتوبر القادم، والثانية بين 21 و23 تشرين الثاني/نوفمبر القادم. منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي في العام 2013، تعهّد الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً وتكراراً بإجراء انتخابات تشريعية، والتي تُعتبَر من ركائز خريطة الطريق بعد مرسي.

خلال الصيف الجاري، هيّأ الرئيس السيسي الساحة تدريجاً لإجراء الانتخابات التشريعية التي طال انتظارها. ففي التاسع من تموز/يوليو الماضي، وقّع السيسي مرسوم تعديل المادة الثانية من قانون تقسيم الدوائر الانتخابية، ثم أقرّ في 29 تموز/يوليو الماضي تعديل بعض أحكام قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية وقانون مجلس النواب. كما أصدر مرسوماً آخر يعرض بالتفصيل تركيبة اللجنة العليا للانتخابات التي أعلنت بدء تسجيل المرشّحين واللوائح في الأول من أيلول/سبتمبر الجاري، ومنحت، بحسب التقارير، تراخيص لـ81 منظمة محلية غير حكومية وست منظمات دولية، لمراقبة الانتخابات.

بيد أن هذه التعديلات لاتقدّم ضمانات بأن النظام الانتخابي الذي حكم القضاة بعدم دستوريته مرّتين في غضون ثلاث سنوات، سيؤدّي إلى تشكيل مجلس نيابي دائم يؤمّن احتكاره للسلطات التشريعية الضوابط اللازمة لمراقبة عمل السلطة التنفيذية. في العام 2012، أصدرت المحكمة العليا في مصر قراراً بحل البرلمان، وفي آذار/مارس 2015، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمَين بعدم دستورية العديد من المواد المضمّنة في قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، وقانون مجلس النواب، وقانون تقسيم الدوائر الانتخابية.

لاحقاً، قرّرت الحكومة الاكتفاء فقط بتعديل المواد المحدّدة التي قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريتها، بدلاً من تعديل القوانين بكاملها وبناء توافق سياسي-اجتماعي حول مسودات جديدة للقوانين المعنية. قام السيسي بتعديل قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية وقانون مجلس النواب، وتحديداً تعديل قواعد الإنفاق على الحملات، والسماح للمصريين الذين يحملون جنسيتَين بالترشّح للانتخابات التشريعية. يُبقي توزيع المقاعد الفردية في كل دائرة انتخابية بحسب قانون تقسيم الدوائر الجديد، والذي يشكّل انتهاكاً لما ينص عليه الدستور من "تمثيل عادل للسكان والمحافظات وتمثيل متكافئ للناخبين" - يُبقي إذاً على النظام الانتخابي المختلط، لكنه يجري تغييراً في الدوائر الفردية وتوزيع المقاعد. تخفّض التعديلات العدد الإجمالي للدوائر الفردية من 237 إلى 205، وتزيد عدد المقاعد الفردية من 420 إلى 448 (أو 75 في المئة من مجموع المقاعد). لم يطرأ أي تعديل على نظام اللوائح الأربع المغلقة والمقاعد الـ120 المخصّصة لها (20 في المئة من مجموع المقاعد)، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النواب الـ28 (أو نسبة الخمسة في المئة من المقاعد) التي يعيّنها الرئيس.

على الرغم من قيام الحكومة بتعديل مواد محدّدة في هذه القوانين بحسب الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا، إلا أنه لايزال بالإمكان الطعن بهذه القوانين إذ يقوم تفويض المحكمة الدستورية العليا على مراجعة مواد محدّدة مطروحة أمامها بدلاً من التدقيق في القوانين بكاملها. منحت المادة 177 من دستور 2012 المحكمة الدستورية العليا سلطة مراجعة مشاريع القوانين الانتخابية قبل إقرارها، من أجل ضمان دستوريتها وتفادي حلّ البرلمان. لكن ألغيت هذه المادة من دستور 2014. علاوةً على ذلك، لم تعد المحكمة الدستورية العليا ملزَمة بالحكم على دستورية قوانين الانتخابات في غضون خمسة أيام من الاستماع إلى حيثيات القضية، وذلك بعدما قام السيسي في 28 تموز/يوليو الماضي بإبطال هذه المادة (التي كان الرئيس المؤقت عدلي منصور قد أضافها في العام 2014). يعني ذلك أن المحكمة لم تعد ملزَمة باتخاذ قرار سريع حول دستورية القوانين، لابل أكثر من ذلك، يمكن اتخاذ هذا القرار بعد الانتخابات ومباشرة مجلس النواب عمله.

في غياب مجلس النواب، تسلّم الرؤساء محمد مرسي وعدلي منصور وعبد الفتاح السيسي السلطات التنفيذية والتشريعية معاً، وأصدروا قوانين بموجب مراسيم رئاسية. وفقاً للمادة 156 التي تمّت صياغتها بعبارات ملتبسة في دستور 2014، ينبغي على مجلس النواب المنتخب الجديد مراجعة القوانين التي صدرت عندما كان المجلس غير قائم، وذلك في غضون خمسة عشر يوماً من انعقاد دورته الأولى، كي تُصبح لها قوة القانون. لكن مع صدور مئات القوانين منذ عزل مرسي في تموز/يوليو 2013 - حول مسائل متنوّعة من التجارة والاستثمار وصولاً إلى الإرهاب والحقوق المدنية - أصبح استيفاء هذا البند خارج إمكانات مجلس النواب. إذاً تترك المادة 156 الباب مفتوحاً على مصراعَيه أمام الموافقة التلقائية والضمنية على معظم إن لم يكن جميع المراسيم الرئاسية من دون كثير من النقاش أو المداولات. المضاعفات مخيفة، إذ يمكن أن تبقى سياسات وقوانين أُقرّت على مدى عامَين من العهود الرئاسية المثيرة للجدل، من دون تدقيق من مجلس النواب.

فضلاً عن ذلك، أثار التأجيل المتكرر للانتخابات التشريعية أسئلة عن مدى صدق الحكومة بشأن رغبتها في إجراء الانتخابات في الأصل أو السعي إلى التوصّل إلى إجماع قبل إقرار القوانين الأساسية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالانتخابات. لقد عبّرت الأحزاب السياسية منذ البداية عن مخاوفها وعدم موافقتها على القوانين الانتخابية التي تعطي الأفضلية للأفراد على حساب الأحزاب، بما يعود بالفائدة على الأشخاص الموالين للسيسي ويُنذر بالعودة إلى حقبة مبارك. رفعت أحزاب عدّة تعليقاتها واقتراحاتها إلى الحكومة وسعت إلى الإفادة من إرجاء الانتخابات لإصلاح القوانين الانتخابية. بيد أن الحكومة زعمت أن توصيات الأحزاب لاتتلاءم مع الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا وامتنعت عن إدراجها في القوانين المعدّلة.

لكن لاتتحمّل مصر أن يكون لديها مجلس نواب يصادق عشوائياً على مراسيم السيسي، أو مجلس نواب لاوجود له على الإطلاق. على الرغم من أن بعض التقديرات تشير إلى أن تسعة من أصل عشرة مصريين يوافقون على أداء السيسي، إلا أن سوء إدارته للمشهد السياسي هو من المحرّكات الأساسية وراء اللامبالاة السياسية المتزايدة وارتفاع منسوب العنف لدى المجموعات الشبابية. لطالما ادّعى السيسي أنه محايد سياسياً، واصفاً السياسة بأنها ترفٌ يمكن أن يتسبّب بمزيد من الانقسامات المجتمعية في وقت تحتاج فيه مصر إلى الوحدة. لكن سياسات قمع المعارضة والتضييق على الخصوم - بما في ذلك تعدّي نظامه على وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان - تتسبّب أكثر فأكثر بإثارة النفور لدى المصريين. كما أن المناخ التشريعي والقضائي الحالي في مصر يُتيح للحكومة تطبيق قوانين غير دستورية، حتى لو جرى إسقاطها لاحقاً عندما تحكم المحكمة الدستورية العليا بأنها غير دستورية. في غضون ذلك، يسمح هذا الاختلال في الأوضاع للحكومة بالدوس على الحقوق الفردية، وكبح الحريات، وهدر أوقاتٍ ثمينة مصر بأمس الحاجة إلى الإفادة منها بدلاً من تضييعها سدى.

أحمد مرسي باحث مصري وطالب دكتوراه في كلية العلاقات الدولية في جامعة سانت أندروز. يمكنكم متابعته على تويتر: ASMorsy@.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.