عماد الصوص باحث في الحركات الاجتماعية والحركات الإسلامية وطالب دكتوراه في جامعة برلين الحرة. 

مع أن الحصار العسكري والاقتصادي الذي تواجهه حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة  حصاراً لم ينجح في شق الحركة، أو الاطاحة بحكمها، إلا أنه نجح في إضعاف قدرتها على حشد التأييد الشعبي. وتبعاً لذلك، تقلصت قدرة الحركة على المناورة السياسية. لكن "الهبّة الشعبية" الدائرة حالياً في الضفة الغربية والقدس المحتلة – ضد الانتهاكات الإسرائيلية الحكومية وانتهاكات المستوطنين في القدس والضفة الغربية – هيأت فرصاً سياسيةً لحركة حماس قد يكون من شأنها تخفيف الضغط عن حكمها في القطاع، ومنحها فرصة لاستعادة ثقلها السياسي ضد خصمها الداخلي الأساسي في الضفة الغربية أي حركة فتح والسلطة الفلسطينية. فهل تستطيع حركة حماس التعاطي مع الهبة الشعبية وتحويلها إلى انتفاضة ثالثة؟ وما هي نوع المواجهة الذي يمكن للحركة انتاجها؟ 

رغم الانتشار الجغرافي المحدود لهذه الهّبة مقارنة بالانتفاضة الأولى (1987-1993) والثانية (2000-2005)، بدا مسؤولون من حركة حماس ووسائل إعلامها بإطلاق اسم "انتفاضة القدس" عليها. حيث  تنظم الحركة فعاليات شعبية، إذ انخرط بعض أفرادها في عمليات فدائية محدودة كتلك التي حدثت في قرية بيت فوريك في الأول من الشهر تشرين الأول/أكتوبر بالقرب من مدينة نابلس في الضفة الغربية كما وتسهل حاليا وصول المتظاهرين من قطاع غزة إلى حدود القطاع ولم تعق الاشتباك بالحجارة مع جنود الاحتلال. ومع هذا، فإن الموقف الرسمي والمعلن عنه في بيانات الحركة لا يشير إلى انطلاق انتفاضة ثالثة ولا يتبنى تلك التسمية. يبدوا أن حركة حماس تخشى استغلال السلطة الفلسطينية وسلطة الاحتلال دورها في الهّبة الشعبية كشماعة، لتبرير موجة قمع قاسية تستهدف الحركة وعموم المتظاهرين، وتنتهي بوأد هذه الهّبة الشعبية. 

بناءاَ على ذلك، تريد حركة حماس توظيف هذه الهّبة وتحويلها تدريجياً لانتفاضة شعبية، تستعيد بموجبها القضية الفلسطينية الزخم الثوري الشعبي، بعيدا عن تجربة احتكار الأجنحة المسلحة للانتفاضة الثانية، حيث خطفت طابعها الجماهيري وقوَّضت أهدافها. حركة حماس غير معنية حالياً بمواجهات عسكرية مفتوحة وشاملة بل تهدف إلى فتح  فضاء لاحتجاجات جماهيرية وما تسميه بأعمال فدائية محدودة، وبالتالي تتجنب عسكرة هذه الهّبة الشعبية.  هذا التعامل التكتيكي لحركة حماس يبدو متوافق ظاهرياً مع تعاطي حركة فتح والسلطة الفلسطينية مع الأحداث الجارية، لكنهما يختلفان في تصورهما لحجم الهّبة الشعبية وقدرتها على الاستمرار والاتساع. فحركة حماس ترى فيها بداية لانتفاضة شعبية واسعة النطاق كسابقاتها، تريد من خلالها الحركة فرض "مشروع المقاومة"، وتخفيف القيود عليها في الضفة الغربية وقطاع غزة. بينما تهدف السلطة الفلسطينية إلى التحكم في هذه الهّبة الشعبية وتحجيمها بحيث لا تخرج عن سيطرتها، بهدف تحسين موقعها في العملية التفاوضية مع الحكومة الإسرائيلية، وتنشيط الشق السياسي في اتفاقية أوسلو – التي اختزلتها إسرائيل بشقها العسكري (أو ما يعرف بالتنسيق الأمني) – من أجل تحقيق مكاسب سياسية تؤدي بالضرورة إلى حل الدولتين.

هذه الهبة ما زالت في بدايتها، وهي تعرّف بأعمال شعبية ذات مظالم فردية. وسيكون الدفع بجهد تنظيمي وبرنامج وطني توافقي خلف تلك الهبة عاملاً حاسماً لاستمرارها وتوسعها، كما تريدها حركة حماس.