إران تسيدكياهو زميل أبحاث في "منتدى التفكير الإقليمي" وطالب دكتوراه في معهد العلوم السياسية في باريس.

لولا التشنّجات الحالية على خلفية الوضع في الحرم الشريف، لما اندلعت موجة العنف التي تجتاح إسرائيل وفلسطين في الأيام الأخيرة. فالتصعيد أو نزع الاحتقان يتوقّفان على مايحدث داخل الحرم الشريف وحوله. يعيد كلام دراماتيكي صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التأكيد على القيود المفروضة على الزيارات إلى الحرم من قبل اليهود التابعين لحركة "أمناء جبل الهيكل" التي تسعى إلى إعادة بناء الهيكل الثالث في المكان، وهي قيود من شأنها أن تؤدّي على الأرجح إلى وضع حد لدورة العنف. إذا ترافقت هذه الإجراءات مع خطوات لبناء الثقة، ومدّ اليد إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يمكن أن تساهم حتى في الإفادة من الأزمة الراهنة لتحسين مسار الأمور. بيد أن الممارسات الاستفزازية لأحد السياسيين الإسرائيليين في الحرم الشريف، وفي حال بلغت درجة من الخطورة تتسبّب بوقوع ضحايا، قد تؤدّي إلى خروج الأوضاع عن السيطرة، وحتى إلى اندلاع انتفاضة ثالثة.

عبّر عباس عن المخاوف الفسطينية بشأن مايحدث حول الحرم الشريف في الخطاب الذي ألقاه في 30 أيلول/سبتمبر الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث استهلّ كلمته بالتحذير من أن المجموعات اليهودية اليمينية المتشدّدة تنتهك - على حد قوله - الوضع القائم بصورة متكرّرة في محاولة لفرض منظومة جديدة. وهاجم عباس أيضاً أعضاء الكنيست الإسرائيلي الذين يذهبون إلى الحرم الشريف، معتبراً أن تصرّفاتهم هذه تساهم في ترسيخ الاعتقاد لدى الفلسطينيين بأن تغيير الوضع القائم ليس فقط الهدف الذي تنشده حفنة من المجموعات المتشدّدة، بل يندرج أيضاً في إطار السياسة الإسرائيلية الرسمية. وقد اتّهم إسرائيل بتقسيم الحرم الشريف بحكم الأمر الواقع بين اليهود والمسلمين، "في مايشكّل انتهاكاً مباشراً للوضع القائم الذي يعود إلى ماقبل العام 1967 وماتلاه من أحداث". وناشد الحكومة الإسرائيلية التوقّف عن استخدام القوة الهمجية لتنفيذ مخططاتها الهادفة إلى تقويض المقامات الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس، لاسيما ممارساتها في المسجد الأقصى، لأن ذلك سيؤدّي إلى تحويل النزاع من سياسي إلى ديني الطابع، مايولّد انفجاراً في القدس وفي باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة.

بعد ثلاثة أيام من إلقاء عباس كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أقدم الطالب الفلسطيني مهند حلبي على طعن يهوديَّين بالسكّين حتى الموت، وأصاب آخرين بجروح في مدينة القدس القديمة، على مقربة من المقامات المقدّسة في المدينة، قبل أن تطلق الشرطة النار عليه وترديه قتيلاً. وكان حلبي قد كتب على صفحته على موقع "فايسبوك" قبل تنفيذ مخططه الدموي: "إن الانتفاضة الثالثة قد انطلقت. ما يجري للأقصى هو ما يجري لمقدساتنا ومسرى نبينا وما يجري لنساء الأقصى هو ما يجري لأمهاتنا وأخواتنا. فلا أظن أنا (أن)  شعب (شعبا) يرضى بالذل. الشعب سينتفض بل ينتفض".

لم يهدّد عباس إسرائيل، بل حذّرنا جميعاً، ولم يكن الوحيد الذي صدر عنه مثل هذا الموقف. فقبل عيدَي يوم الغفران ورأس السنة عند اليهود وخلالهما وبعدهما، ارتفعت أصوات للتحذير من مغبّة حدوث تصعيد في الحرم الشريف. في الواقع، بدءاً من يوم التاسع من آب (حسب التقويم العبري) الذي يحل في أواخر شهر تموز/يوليو، وهو يوم الذكرى لخراب هيكل سليمان الأول والثاني في القدس، وصولاً حتى يوم الغفران وعيد الأضحى عند المسلمين في أواخر أيلول/سبتمبر، وقعت أعمال عنف مراراً وتكراراً في الحرم الشريف بعدما تسبّبت الزيارات المتزايدة من المجموعات اليهودية بردود فعل عنيفة لدى المؤمنين المسلمين. وقد تفاقم الوضع وتحوّل إلى "انتفاضة السكاكين" الحالية في موجة عنف وكراهية لم تشهد لها البلاد مثيلاً منذ الانتفاضة الثانية، "انتفاضة الأقصى"، التي اندلعت أيضاً في المسجد الذي تحمل اسمه.

لابد أولاً من إدراك محورية الحرم الشريف والمخاوف الفلسطينية - سواءً كانت مبرّرة أم لا - حول تمامية الأماكن المقدسة، كي نتمكّن من فهم الوضع الراهن. فمع إضفاء الطابع الديني على النزاع ككل، تتحوّل المقامات المقدّسة في القدس من رمز ديني إلى رمز وطني محمي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.