محمود جرابعة باحث في "مركز إيرلانغن للإسلام والقانون في أوروبا" (EZIRE) في جامعة فريدريش-ألكسندر في إيرلانغن-نورمبرغ في ألمانية. وليهي بن شطريت أستاذة مساعدة في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا في أثينا.

الشرارة الواضحة للعنف الحالي تمثّلت في تصاعد حدّة الاستفزازات من بعض السياسيين والناشطين اليمينيين الإسرائيليين في الحرم الشريف ، والصدامات بين الشرطة الإسرائيلية والمحتجّين المسلمين. رأى الفلسطينيون في هذه الأحداث دليلاً متعاظماً عن نية الحكومة الإسرائيلية تغيير الوضع القائم في الموقع، وإحداث شرخ زماني ومكاني هناك من أجل السماح لليهود بالصلاة في جبل الهيكل - في مايشكّل انتهاكاً للوضع القائم. في حين أكّد نتنياهو مراراً وتكراراً التزام إسرائيل بالوضع القائم، إلا أن الدعم الذي يقدّمه أعضاء حكومته للنشطاء في جبل الهيكل ولّد اقتناعاً لدى الفلسطينيين بأن "الأقصى في خطر"، وفقاً للشعار الذي يُرفَع خلال الموجة الحالية. 

لكن مايجري ينطلق أيضاً من شعور متنامٍ وعميق بالاختناق وفقدان الأمل لدى الفلسطينيين. لقد بات واضحاً للفلسطينيين، شعباً وقيادة على السواء، أن الآفاق قد سُدَّت تماماً أمام أية إمكانية لانطلاق عملية سلام فعالة تحقّق لهم نتائج ملموسة. يبدو أن اتفاق أوسلو كما قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطاب رسمي الشهر الفائت قد أصبح عملياً اتفاقاً بائداً. فعلى الرغم من أن آثاره على الأرض، مثل التنسيق الأمني، والنظام البيروقراطي الضخم القائم على حواجز التفتيش والأذون وتقسيم الأراضي ، لاتزال ملموسة، إلا أن الفلسطينيين لايرون فيه ضمانة من أجل إقامة دولة فلسطينية بحسب حدود 1967. ومايزيد الطين بلة أن الفلسطينيين يشعرون، عن حق، بأن محنتهم وُضِعت إلى حد كبير على الهامش في جداول أعمال الولايات المتحدة والدول العربية والمجتمع الدولي ككل المنشغل بالحرب الأهلية في سورية والمواجهة ضد تنظيم داعش في سورية والعراق.

فضلاً عن ذلك، تسبّب توسيع الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وصعود العنف الاستيطاني، بزيادة المخاوف والإحباط لدى الفلسطينيين. فبعد حرق عائلة دوابشة حتى الموت في دوما قرب نابلس، تضاءل أكثر فأكثر شعور الفلسطينيين بالأمان. وتفاقم شعورهم باليأس أمام عجز السلطة الفلسطينية عن حمايتهم من العنف في الأراضي الخاضعة لسيطرتها كما في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، إلى جانب تفشّي عدم الكفاءة والفساد والمحسوبيات والتسييس في المؤسسات والأجهزة الأمنية الفلسطينية (في الضفة الغربية وقطاع غزة)، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة.

ليس مفاجئاً إذاً أن موجة الاحتجاجات الحالية فضلاً عن أعمال العنف العشوائية هي تحرّكات عفوية ويشكّل الشباب العنصر الأساسي فيها. فهي تعكس فقدان الثقة بالأحزاب والأفرقاء السياسيين، وبالسلطة الفلسطينية. لقد فوجئت هذه الأحزاب والسلطة الفلسطينية بحجم الاضطرابات ونطاق انتشارها، ووجدت أنها غير مستعدّة لها. يشكّل التصعيد المحتمل للاضطرابات الراهنة وإمكان تحوّلها إلى تعبئة شعبية حاشدة، على غرار الانتفاضة الأولى، سلاحاً ذا حدّين بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية. فمن جهة، يمكن الإفادة من الانتفاضة الشعبية لإرغام إسرائيل على الجلوس إلى طاولة المفاوضات (كما حدث في الانتفاضة الأولى). وفي الوقت نفسه، تتخوّف السلطة الفلسطينية من فقدان السيطرة وصعود قيادة فلسطينية جديدة وأكثر شباباً. ومصدر القلق الآخر هو صغر سنّ الفلسطينيين المشاركين في الاحتجاجات وأعمال العنف - معدّل عمر الأشخاص الذين لقوا مصرعهم هو 19 عاماً، بحسب بيانات صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية. إنهم ينتمون إلى جيل من الفلسطينيين الذين ولدوا، أو كانوا صغاراً جداً في السن، خلال الانتفاضة الثانية، وبالتالي لم يشاركوا فيها، ولم يكونوا على دراية بالثمن المؤلم جداً الذي دفعه الفلسطينيون بسبب العنف. علاوةً على ذلك، لاينتمي الجزء الأكبر منهم إلى الفصائل السياسية القائمة، ولايرون أي مستقبل لهم في ظل الاحتلال المستمر والركود السياسي الراهن.

ليس الوضع الذي نشهده الآن في القدس والضفة الغربية بالأمر الجديد. الأحداث نفسها تتكرّر، لكن نطاقها يتصاعد تدريجاً منذ مقتل الشاب محمد أبو خضير من القدس في يوليو/تموز 2014. لم يبلغ هذا النطاق بعد المستوى الذي وصل إليه في العام 2000، والذي أطلق شرارة الانتفاضة الثانية، لكن من الواضح أن الاضطرابات بدأت فعلاً بالانتشار، من القدس إلى الضفة الغربية وغزة، وحتى إلى أراضٍ داخل إسرائيل. يبدو أن الأحداثٍ يمكن أن تتطوّر في اتجاهات عدّة، بحسب أسلوب التعاطي الذي ستعتمده السلطة الفلسطينية وحماس وإسرائيل والشباب الفلسطيني الذي يقف في طليعة الاحتجاجات وأعمال العنف على السواء من الواضح أن الشعور بالإحباط والاختناق والحصار الذي يراود الشباب الفلسطيني، والذي يجري تشاركه وتضخيمه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لن يتبدّد في وقت قريب.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.