منصور المرزوقي، باحث في شؤون السياسة السعودية في كلية العلوم السياسية في ليون. يمكنكم متابعته على تويتر: 0albogami@

تَغْفُلُ معظم التحليلات التي تتناول الأهداف السعودية في اليمن عن جوهر المسألة: شكلت السعودية تحالفاً عربياً للتدخل في اليمن من أجل الحؤول دون وقوع أمر معيّن، وليس لغرض إحداث أمر معين. والهدف هو الحؤول دون تحوّل اليمن إلى عراقٍ آخر، حيث السيادة هي بِيَد طهران، وليست بيد بغداد. يجب أن يؤخَذ هذا العامل في الاعتبار عند تحليل تطوّر الأهداف السعودية في ذلك البلد. والعامل الآخر الذي يجب أخذه في الاعتبار هو أنه على المستوى الاستراتيجي، تُختصَر المسألة السياسية بكلمة واحدة: الخيارات.

يهدف التوسّع الإيراني إلى كسب المزيد من الخيارات – في العراق (حيث شكّلت إيران 56 ميليشيا)، وفي دول مجلس التعاون الخليجي (حيث أنشأت خلية العبدلي في الكويت)، وفي سورية (حيث أرسلت ميليشيات أفغانية وباكستانية وعراقية ولبنانية لمساعدة بشار الأسد)، وفي اليمن (حيث قامت بتسليح ميليشيات الحوثي)، ومؤخراً في مختلف أنحاء العالم العربي عبر الإعلان عن إنشاء "جيش التحرير". تستند هذه التوسّعية إلى ركيزتَين: التعصّب المذهبي الذي تستخدمه إيران أداةً لبناء التحالفات، وضعف الحكومات المركزية الذي يسمح للميليشيات بأن تكون فاعلة. يأمل النظام الإيراني بأن تضمن هذه الخيارات أمنه، وتساهم في تحقيق مصالحه، وتمنحه مقعداً مهماً على الطاولة الإقليمية. لذلك، عند الحديث عن نهاية محتملة للأعمال الحربية في اليمن، من الأسئلة التي تُطرَح في هذا الإطار: هل السعودية مستعدّة للقبول بسيطرة إيرانية على اليمن؟ والجواب هو: ليست مستعدة على الإطلاق.

والنتيجة المثالية التي يتطلع إليها التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن هي انسحاب ميليشيات الحوثي وقوات صالح المدعومة من إيران من مؤسسات الدولة، وإنهاء حصارها للمدن مثل تعز، وتسليم أسلحتها الثقيلة (بما في ذلك الصواريخ البالستية)، والموافقة على تشكيل حكومة وحدة تعكس تركيبتها جميع مكوّنات المجتمع اليمني. لكن من الواضح أن تحقيق هذه النتيجة سيكون صعباً للغاية.

إذاً في ضوء النزعة التوسّعية الإيرانية، والرفض التام لفرض إيران سيطرتها على اليمن، وصعوبة تحقيق النتيجة التي يعتبرها التحالف العربي الأفضل في الملف اليمني، كيف تنظر السعودية إلى تطوّر الأزمة؟ أولاً، ثمة مؤشرات كافية بأن المملكة لن تقبل العودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل آذار/مارس 2015، والمقصود بذلك العودة إلى مشهد سياسي يُسيطر عليه التحالف بين الحوثيين وصالح المدعوم من إيران. ثانياً، تعتبر المملكة العربية السعودية أنه بإمكانها التأثير في اللاعبين الإقليميين والدوليين. فقد تمكّنت السعودية من تغيير الموقف الأميركي من التدخل في اليمن، من اعتراض مطلق إلى دعم محدود، ومتقلب بين مدٍ وجزر. ونجحت المملكة، عبر اعتمادها مقاربة براغماتية، في التوصّل إلى قواسم مشتركة مع روسيا التي منحتها الدعم من أجل الدفع نحو اعتماد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 (الذي ينص على فرض حظر سلاح على الحوثيين) في نيسان/أبريل 2015، وبناءً عليه، استبدلت عملية "عاصفة الحزم" بعملية "إعادة الأمل". ثالثاً، تشكّل الأزمة اليمنية جزءاً من مشهدٍ إقليمي يعاني من فراغ استراتيجي ناجم عن صعود نظام عالمي لاقطبي، والتحوّل الأميركي نحو آسيا. وعلى المستوى الداخلي، أدّى التغيير في طبيعة السلطة وبنيتها إلى بداية الدولة السعودية الرابعة. فلما رأت الرياض أن ثمة تهديداً وجودياً يحدق بها، تقدمت لتكون خط الدفاع الأول عن أمنها، دون الإلتفات لأي اعتبار. نتيجةً لذلك، يبدو أن الاستمرار في بذل الجهود لإعادة تثبيت الحكومة اليمنية الشرعية برئاسة عبد ربه منصور هادي، هو الخيار الأكثر ترجيحاً الذي ستتبنّاه المملكة العربية السعودية، مهما كلف ذلك.

لقد حقّقت الرياض العديد من الأهداف الاستراتيجية. فقد حالت دون تحوّل اليمن إلى عراقٍ آخر، مع تحرير ثمانين في المئة من البلاد. وأظهرت قدرتها على الأخذ بزمام المبادرة، وكذلك على وضع حد للدعم الإيراني للميليشيات، في رسالة موجّهة إلى الميليشيات المدعومة من إيران. كما أنها برهنت عن قدرة على التخطيط لعملية عسكرية واسعة النطاق وإدارتها، وهذه رسالة موجّهة إلى إيران نفسها.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.