ناصر الربيعي، صحافي ومنتج مقيم في صنعاء. يمكنكم متابعته على تويتر: narrabyee@

تريد الحكومة السعودية من الحوثيين تطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 2216 عبر تسليم أسلحتهم إلى حكومة عبد ربه منصور هادي المعترف بها دولياً، والانسحاب من المدن التي يحتلونها بما في ذلك صنعاء وتعز. لكن ما تريده السعودية فعلاً هو استسلام الحوثيين الكامل، ولا تبدو متخوّفة من وصول الأسلحة التي يتم تسليمها إلى الحكومة اليمنية، إلى أيدي عناصر من تنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية، والذين يُقدّم بعضهم أنفسهم في صورة أعضاء في حكومة هادي المعترف بها دولياً. فقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركية ثلاثة أعضاء في حكومة هادي التي تتخذ من الرياض مقراً لها، على قائمة الإرهابيين العالميين: عبد المجيد الزنداني، وعبد الوهاب الحميقاني (الذي مثّل حكومة هادي في المحادثات التي تمّت في جنيف برعاية الأمم المتحدة في العام 2015)، ونايف صالح سليم القيسي (الذي عيّنه هادي محافظ البيضاء في كانون الأول/ديسمبر 2015).

القاعدة والدولة الإسلامية هما الرابحان الأكبر في الحرب اليمنية. أولاً، وعلى الرغم من ظهور تقارير في الأشهر القليلة الماضية تتحدث عن طردهما من عدد من المدن الجنوبية، لا يزال التنظيمان يعملان في عدن والمكلا وزنجبار وجعار ومناطق أخرى – وسوف يواصلان أنشطتهما ما دام اليمن يفتقر إلى حكومة قوية. لقد لقي نحو 70 شخصاً مصرعهم في 29 آب/أغسطس في قلب عدن في تفجير انتحاري نفّذه تنظيم الدولة الإسلامية. كان الانتحاري أحمد سيف (المعروف أيضاً بأبو سفيان العدني) مدرِّساً لمادّة القرآن يعيش في عدن، ما يُظهر مدى تجذّر القاعدة والدولة الإسلامية في النظامَين التربوي والاجتماعي؛ هذا هو الجانب الأشد خطورة في المشكلة. يأخذ القادة في السعودية وقطر وتركيا المال والسلاح ويسلّمونهما إلى "المقاومة" التي غالباً ما تتألف من عناصر من تنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية.

مع اشتداد الفظائع واستفحال الأزمة الإنسانية، يحمّل اليمنيون إدارة أوباما مسؤولية الجزء الأكبر من معاناتهم. انتشرت ملصقات ضخمة في مختلف أنحاء البلاد كُتِب عليها "أميركا تقتل الشعب اليمني"، فاليمنيون على يقين من أن السعوديين لم يكونوا ليتجرأوا على فعل ذلك كله بهم لولا موافقة الولايات المتحدة. بيد أن عدداً كبيراً من الأميركيين يتشارك بكل سرور، عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، الانتقادات التي يوجّهها مواطنون أميركيون إلى الدور الذي تؤدّيه إدارة أوباما في جرائم الحرب السعودية ومبيعات الأسلحة. وقد تداولوا تغريدات للسناتور عن ولاية كونكتيكت، كريس مورفي، تضمّنت انتقادات للحملة السعودية، ووصفوه وآخرين سواه بالأبطال خلال تجمعات حاشدة، ما ساهم قليلاً في تحسين الصورة التي كانت قد روّجت لها حملة "أميركا تقتل الشعب اليمني". حتى إن مشاعر العداء للولايات المتحدة تشتدّ عندما تتسبّب مقاتلات سعودية مدعومة من الأميركيين بقتل عائلات بأسرها داخل منازلها وترتكب مجازر في حفلات زفاف ومدارس ومستشفيات ومصانع ومساجد وأسواق حيث لقي مئات النساء والأطفال مصرعهم.

تتعاظم مخاوف السعوديين – ليس فقط بسبب اشتداد مشاعر الكراهية والعداء للسعودية، وزيادة وتيرة الهجمات في جنوب السعودية، بل أيضاً بسبب الصور ومقاطع الفيديو التي تُنشَر بصورة شبه يومية ويظهر فيها يمنيون مقاتلون حفاة الأقدام يلحقون الهزيمة بالجيش السعودي وأسلحته الأكثر تطوراً. يتداول اليمنيون دعابات كثيرة عن مقاتلين يمنيين يستولون على دبابات "إم1أيه2 أبرامز" أميركية الصنع وآليات قتالية من طراز "برادلي"، متباهين بشجاعة هؤلاء المقاتلين ومستهزئين بالمقاتلين السعوديين. منذ منتصف آب/أغسطس الماضي، تُعرَض هذه المشاهد بصورة شبه يومية، وأحياناً مرّتَين في اليوم، ما دفع بالسعوديين إلى حجب قناة "المسيرة" التلفزيونية التي يديرها الحوثيون وتبثّ من نجران وجازان وعسير في السعودية، أو التشويش عليها في 26 آب/أغسطس. وقد عمدت القناة إلى البث عبر تردّد جديد في غضون أقل من 24 ساعة.

غير أن مصدر القلق الأكبر بالنسبة إلى السعوديين يتمثّل في الصواريخ البالستية التي تضرب أهدافاً حيوية، مثل القواعد العسكرية والمنشآت النفطية. سقط صاروخ بالستي على مصنع للطاقة تابع لشركة "أرامكو" في نجران في 26 آب/أغسطس الماضي، وقد ردّت السعودية بقصف محطات للتيار الكهربائي، ومنشآت نفطية، ومصانع منها مصنع السكر في منطقة راس عيسى في محافظة الحديدة، وأسفرت هذه الهجمات مجتمعةً عن سقوط مئات الضحايا بين قتلى وجرحى. لكن في الثاني من أيلول/سبتمبر الجاري، أطلق الحوثيون صاروخاً بالستياً محلي الصنع من طراز "بركان 1" على مدينة الطائف في السعودية، ما أثار غضب السعوديين. يزيد المدى الذي يبلغه هذا الصاروخ عن 800 كلم (500 ميل)، وزنته تسعة أطنان. لقد سبق أن صرّح السعوديون أنهم دمّروا قدرات اليمنيين البالستية في الأسبوع الأول من الحرب، وبعد ثمانية عشر شهراً، إنهم تحت وقع الصدمة ولا يفقهون كيف تمكّن اليمنيون من نقل صاروخ بهذه الضخامة وإطلاقه على قاعدة عسكرية على بعد مئات الكيلومترات داخل السعودية – لا بل أكثر من ذلك كيف تمكّنوا من تصنيعه وأين.

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.