فهد ناظر زميل غير مقيم في معهد دول الخليج العربي في واشنطن ومحلل سياسي لدى شركة "جيه تي جي إنكوربورايتد" للاستشارات الاستخباراتية. يمكنكم متابعته على تويتر: @fanazer

تملك السعودية سجلاً طويلاً ومتفاوتاً من التدخل في النزاعات السياسية في اليمن، والذي يعود إلى مطلع ستينيات القرن الماضي. قبل العام المنصرم، كانت المملكة تميل إما إلى استخدام روابطها الواسعة مع الأفرقاء السياسيين والعشائريين للتوصل إلى تسويات عن طريق التفاوض وإما إلى الاصطفاف إلى جانب طرف معيّن في النزاع، ومساعدته مادياً – وتزويده بالسلاح من حين لآخر – إنما من دون توريط جنودها في القتال. لكن هذا كله تغيّر العام الماضي. فقد اعتبرت المملكة أن ظهور شبح الحرب الأهلية من جديد في اليمن، حيث من شأن مجموعتَين قتاليتين معاديتين للسعودية بالدرجة نفسها – الثوار الحوثيين المدعومين من إيران في الشمال وتنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" الإرهابي في الجنوب – أن تحاولا فرض إرادتهما على باقي البلاد، أن يشكّل تهديداً خطيراً لأمنها. 

لقد أنفق السعوديون مبالغ طائلة في محاولة احتواء العنف في اليمن عبر بناء سياج أمني متطور على طول حدودهم الجنوبية. لكن فضلاً عن الحوثيين المدعومين من إيران الذين خاضت السعودية صدامات قوية معهم في المنطقة الحدودية في العام 2009، تسبّب تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أيضاً بزعزعة الاستقرار في اليمن. فقد اجتاز التنظيم الإرهابي أيضاً الحدود السعودية في حزيران/يونيو 2014 ونجح في قتل عدد من عناصر الأمن السعوديين. ويُضاف إلى هذه المعطيات المتفجّرة مؤشراتٌ قوية بأن التنظيم الإرهابي الأكثر همجية، المسمّى "الدولة الإسلامية"، أصبح له أيضاً حضور في اليمن، وقد تبنّى العديد من التفجيرات الدموية التي استهدفت مساجد شيعية في صنعاء.

يشكّل قرار شن عملية عسكرية لإعادة الثوار الحوثيين إلى معاقلهم في الشمال وإرغامهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، قطيعة مهمة مع الديبلوماسية الهادئة التي يتميز بها السعوديون خلف الكواليس والتي ساهمت في وضع حد للحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاماً، وفي تهدئة التشنجات التي طرأت بين مصر وقطر مؤخراً.

يبدو أن الهدف من الحملة في اليمن هو توجيه رسائل قوية إلى ثلاث جهات مختلفة. الرسالة الأولى هي تحذيرٌ إلى إيران لوقف انتهاكها لحرمة اليمن الذي تعتبره السعودية تقليدياً بمثابة "فنائها الخلفي"، وكذلك وضع حد لما وصفه المسؤولون السعوديون مراراً وتكراراً بـ"التدخل" الإيراني في الشؤون العربية في شكل عام. وهي أيضاً رسالة إلى حلفاء المملكة، لا سيما الولايات المتحدة، مفادها أن السعودية، وفي حين أنها لا تزال تعتبر الولايات المتحدة شريكة قيّمة، لن تتوانى عن اتخاذ "كل الإجراءات اللازمة" للدفاع عن أمنها القومي، مع الاكتفاء بالحد الأدنى من التشاور عند الاقتضاء، إذا تبيّن أن الولايات المتحدة – والمجتمع الدولي في شكل عام – عاجزة عن التشاور أو غير مستعدة لذلك.

وبالأهمية نفسها، إنها أيضاً رسالة إلى السعوديين في شكل عام، وفحواها أن مليارات الدولارات التي أُنفِقت على القوات العسكرية والأسلحة والتدريب تعود بثمارها. غير أن هذا الاعتماد على الذات ترتّب عنه تعديلٌ مهم يعكس الأزمنة العصيبة التي تمر بها السعودية، وكذلك الجوار الخطير حيث تتواجد: قدّم مئات السعوديين التضحية القصوى خلال الحملة في اليمن، بما في ذلك مقتل بضع مئات المدنيين بسبب إطلاق الحوثيين القذائف عبر الحدود.

يشير البعض إلى أن هذا النمط الجديد في التفكير والسياسة الخارجية الأكثر إثباتاً للوجود هما من بنات أفكار ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، 30 عاماً، أحد أبناء الملك سلمان والذي يتولى أيضاً حقيبة الدفاع. سواءً كان هذا صحيحاً أم لا، لقد فتحت السعودية صفحة جديدة في تاريخها يبدو من خلالها أنها مصممة على أن تُظهر للعالم نظرة السعوديين إلى دورهم المتغيِّر الجديد في المنطقة، إنما أيضاً على دفع المجتمع الدولي نحو تبديل نظرته تماماً إلى المملكة. 

 

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.