يشكّل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رأس حربة الغزوات السياسية والعسكرية للمملكة في المنطقة، لكنه أيضاً المحرك الأساسي لتعديلات قد تحمل تغييراً أكثر عمقاً في البنية الاقتصادية والسياسية للملكة. ففي ظل قيادته، أعلنت الحكومة عن "رؤية السعودية 2030" التي تسعى إلى تسيير البلاد نحو تنويع إقتصادي واسع النطاق، وتتضمن إجراءات لترشيد الإنفاق الحكومي خاصة فيما يخص بنود الدعم الاجتماعي والإقتصادي إلى جانب الأجور. لكن الرؤية تفتقر إلى تؤسيخ مبادئ الإصلاح السياسي والاجتماعي الطويل المدى الذي قد يكون ضرورياً عندما ينتقل إقتصاد الدولة من الإعتماد الكلي على إيرادات النفط، وتحديداً تفكيك المنظومة السياسية والعقود الاجتماعية التي بُنيت حول توزيع الريوع النفطية. 

الثروة النفطية التي تملكها السعودية هي من أسباب حفاظ النظام الحاكم على الاستقرار السياسي والإجتماعي طوال هذه الفترة. فقد استطاعت الحكومة أن تستخدم هذه الثروة واحتياطها البترولي الوفير لفرض نفسها على الساحة السياسية والدولية واكتساب ولاء العديد من الدول من خلالها، كما منحتها الوسيلة التي تتيح لها الاستمرار في كسب رضى السعوديين بشكل عام. إلا أن هذه الدعامة المالية والسياسية ستنتزع مع تطبيق "رؤية 2030". ففيما تستعد المملكة للانتقال من اقتصاد ريعي نفطي إلى اقتصاد يستند إلى تنمية قطاعات أخرى منتجة (والذي بالضرورة يتطلب إلى تداول المعلومات كركيزة أساسية وإثراء المعرفة المحلية)، من الضروري إرساء منظومة سياسية أكثر شمولاً وإشراكاً من أجل بلوغ أهداف التنمية الاقتصادية المعلنة. فالأمران مترابطان ولا يتحقق أي منهما من دون الآخر، لكن يبدو أن الإصلاح السياسي غير مدرَج في الرؤية العامة.

لطالما كانت سياسات الحكومة وأنماطها في الإنفاق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسعر النفط وعائداته، وأثناء الطفرة في أسعار النفط بين 2003 و2013، استثمرت الحكومة السعودية مبالغ طائلة في التعليم والصحة والبنية التحتية إضافة إلى زيادة التوظيف في القطاع العام، فضلا عن الرواتب الشهرية الضخمة التي يتقاضاها كل فرد من أفراد العائلة الحاكمة، و هي على الأرجح أكثر العائلات ثراءاً في العالم. النظام الحاكم كان يشجع المواطنين بشكل دائم الحصول وظائف في القطاع العام ذات الرواتب المرتفعة نسبياً، ما كان يثنيهم عن الانخراط في أنشطة إقتصادية أخرى. وتباعاً لم يتمكّن القطاع الخاص من استقطاب عدد كبير من المواهب المحلية، فالراتب في القطاع العام كان بمعدل ثلاثة أضعاف الراتب في القطاع الخاص بحسب بعض الدراسات. فالدولة كانت دوماً الراعي الأساسي للأمن المادي للمواطن، وليس فقط الجهة التي تزوّد المواطنين بخدمات عامة، ما عزّز قدرة الحكومة على الحفاظ على نظامها السلطوي الأحادي

وفي الأعوام الثلاثة الماضية واجهت الحكومة السعودية عجزا في ميزانيتها المالية لأول مرة منذ نحو عقدَين، وتشير التقديرات إلى أن العجز في العام 2016 تخطى 75 مليار دولار أميركي. تأمل المملكة في أن تساهم الخطة المطروحة ضمن "رؤية 2030" في أن يصبح الاقتصاد أكثر نضوجاً وازدهاراً واستدامة، وذلك بقيادة القطاع الخاص. لكن التعديلات الاقتصادية وتغيير نمط النشاط العمالي للمواطنين من خلال هذه الآلية المقترح ستؤدي إلى ضرورة تعديل العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب أيضاً. فكي يتمكن القطاع الخاص من المساهمة في أكثر من 65 في المئة من إجمالي الناتج المحلي-كما هو التصور في الرؤية - يجب أن تتحوّل قبلة العمالة في اتجاه القطاع الخاص وأن تبتعد عن القطاع العام الذي كان يراه المواطنون في السابق مضمونا بشكل أكبر برواتب أكبر، ولكنه يعاني من تدنّي الإنتاجية. وكي تحقق الحكومة تنويعاً فعلياً في مصدر إيراداتها، عليها توسيع المنظومة الجبائية، ما يقتضي غالباً توقُّع الفرد من حكومته التي ينفق عليها من ضرائبه، قدراً أكبر من المساءلة والمحاسبة. إلا أن النظام السعودي الذي لا يزال في طور اختبار زيادة الضرائب على الدخل في إطار خطة اقتصادية جديدة، لا يبذل على ما يبدو جهوداً مماثلة لإحداث تحوّل في المؤسسات السياسية كي تعكس تطلعات المواطنين في الشفافية، وهو مبدأ غير دارج في العهد الملكي الراهن. باختصار، يجب أن تتحول الحكومة ومنظومة الحكم من مؤسسات قائمة على رعاية الحكومة الكاملة لرعاياها، نحو إدارة أكثر تقليدية للميدان العام.

وتوقع المواطن باستمرار الحصول على الرعاية من الدولة قد يزيد التحول تعقيدا. لقد اعتاد المواطنون على أن يروا في الدولة والنظام الملكي الجهة"المُعيلة". وقد عزّزت الدولة تلك الصورة الذهنية في السابق عبر تطبيق برامج اجتماعية واسعة واعتماد أساليب لتوزيع كمية من الثروة النفطية تؤدي غرض الحفاظ على الاتزان الداخلي. في عام 2011، عندما اجتاح الربيع العربي المنطقة، وضع الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز آل سعود هدايا وتحزيلات نقدية على السكان تصل قيمتها إلى 37 مليار دولار بحسب تقارير. في الوقت نفسه، خصّصت الحكومة نحو 130 مليار دولار لتمويل استحداث 120 ألف وظيفة جديدة في القطاع العام وبناء خمسمئة ألف مسكن. وزودت الحد الأدنى للأجور إلى 800 دولار في القطاع العام، كما منحت جميع موظفي الخدمة المدنية زيادات في الرواتب، ووضعت خطة جديدة لمساعدة العاطلين عن العمل. في حين أن هذه التحويلات كانت فعّالة وأدت غرضها لتفادي أي اضطراب محلي خاصة أثناء شحن الشعوب بسبب الربيع العربي، لن تتمكّن الحكومة من تأمينها في المستقبلخاصة مع الاتجاه الحالي للخفوضات في الموازنة – لا سيما إذا أصبحت الموازنة أقل سيولةً مع الابتعاد عن الاعتماد على النفط. لكن ذلك لا يعني أننا نُسقط من الاعتبار بعضاً من وسائل الإنفاق العام الأكثر فعالية ومحققة لأهداف تنموية، مثل برامج موسعة للمنح الدراسية في الخارج، والإنفاق المرتفع نسبياً على البحوث العلمية والبرامج الطبية. ولكن حتى هذه البنود في الإنفاق العام أصبحت عرضةً لخفوضات الموازنة.

لكن كي يتقبّل المواطن السعودي، يجب أن تكون المؤسسات الحكومية في طليعة المبادرين إلى إجراء تغييرات جذرية. والنظام الملكي السعودي لا يسعى على ما يبدو إلى إحداث أي تغيير هيكلي في نظام حكمه أو أسلوب إدارته، على الرغم من الشكل والأسلوب التقدمي الذي يظاهر به ولي ولي العهد. ولكن على النقيض، ثمة مؤشرات بأن النظام سيستمر في عدم تقبّله لحرية التعبير والمعارضة السياسية في المستقبل – لا سيما في المسائل المتعلقة بالدين والأسرة الحاكمة، وتُظهر الإدانات القضائية الأخيرة وحتى أحكام الإعدام الصادرة في قضايا على صلة بهذين الموضوعين، فالنظام الملَكي يتمسّك بشكل السلطة التقليدية القائمة على الدين والقبلية والنفط. حتى نشر أفكار التي من شأنها أن تتحدّى هذه المؤسسات أو تسعى إلى تطويرها بصورة تدريجية، مهدَّدٌ بمواجهة العراقيل، ما قد يولّد حاجزاً فكرياً بين النظام الملَكي والعالم الخارجي. السياسة السعودية شديدة التعقيد، من شأن التحرير الاقتصادي الذي يسعى إليه النظام الملكي أن يتطور بفعالية أكبر على أقل تقدير في حال كان هناك انفتاح أكبر للتقدم على مختلف المستويات.

في الماضي، ركّزت السعودية على تطبيق سياسات مالية لمواجهة التقلبات الدورية، في حين أن الحاجة إلى التغيير السياسي قد تكون ملحّة بالدرجة نفسها. ربما كسب النظام الملكَي بعض الوقت عبر إطلاق هذه الإجراءات، إلا أنه مع وجود الثروة النفطية (والطفرات الدورية في الأسعار) مُنح النظام السعودي أداة مريحة للحفاظ على النظام القائم في البلاد على الرغم من اقتصار الحريات السياسية على النذر اليسير، إلا أنه لن يستطيع الاستمرار على هذا المنوال في الفترة المقبلة، لا سيما بعد الإقرار بوجوب تغيير المنظومة الاقتصادية.

حمد المشد صحافي مصري وطالب دكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، يعمل في قسم الدراسات الإنمائية في الكلية حيث يجري بحوثاً عن الاقتصاد السياسي للإعلام في العالم العربي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.