محمد المشد، صحافي مصري وطالب دكتوراه في كلية الدراسات المشرقية والأفريقية في لندن.

بغض النظر عن السياسة التي تنتهجها قطر في المنطقة أو سجلها في مجال حقوق الإنسان (ويمكن قول الكثير عن الأمرَين معاً)، فإن مقولة أنه بإمكان محور السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر تأنيبها بمصداقية في هاتَين المسألتين تحديداً، تكاد تكون عبثية ومنافية للمنطق. نسلّم جدلاً بأن قطر منحت لجوءاً لعدد من الشخصيات البغيضة جداً في الآونة الأخيرة، ومنهم بعض الأعضاء الأكثر تشدداً في تنظيمات إسلامية مصرية؛ وبأنها تدخّلت في السياسات المحلية. بيد أن نظرة سريعة إلى خبايا كل واحد من الأنظمة الأخرى الضالعة في هذا المأزق، تكشف عن قدر كبير من الأنشطة المشابهة على الأرجح، مثل تمويل المجموعات القتالية المتطرفة في سورية، والمساعدة على تعزيز مكانة الأنظمة الديكتاتورية في مختلف أنحاء المنطقة. ليس التحرّك الأخير مدفوعاً بأي اعتراضات أخلاقية على الأنشطة القطرية، بل يشكّل وسيلة غير مسبوقة من أجل ليّ ذراع قطر لحملها على الرضوخ، أو إسكات وسائل الإعلام القطرية، أو الانتقام من قطر بسبب مغامراتها السياسية.

في حالة النظام المصري، ربما تجتمع الأهداف الثلاثة معاً. لقد استشف عبد الفتاح السيسي فرصة جديدة ليركب مطيّة النظام الملَكي السعودي الذي فرض عليه أن يقدّم له الطاعة حتى قبل أن يصبح رئيساً. يريد السيسي أن تدفع قطر ثمن دعمها المستمر لجماعة الإخوان المسلمين التي يبذل الرئيس المصري قصارى جهده من أجل حمل الولايات المتحدة على إدراجها على قائمة التنظيمات الإرهابية. لو بادر السيسي إلى اتخاذ إجراءات أحادية ضد بلدٍ غالباً ما كان أسياده السعوديون يتحدّثون عنه بعبارات عائلية ودّية، كان ليعرّض نفسه لخطر الاصطفاف في الجانب الخطأ بالنسبة إليهم وفقدان الحظوة لديهم. وعلى الرغم من اتخاذه تدابير ضد وسائل إعلام قطرية على غرار قناة "الجزيرة" وموظّفيها (المصريين في معظم الأحيان)، كان يدرك أن التصويب بصورة أوسع نطاقاً على دولة تنتمي إلى مجلس التعاون الخليجي يحمل مخاطر جمة بالنسبة إليه. لا يأتي أحد فعلياً على ذكر دور السيسي في الأزمة الراهنة، وربما كان ذلك مؤشراً عن جلوسه في المقعد الخلفي، وعن تراجع مكانة مصر المتصوَّرة كقوة إقليمية في الأعوام الأخيرة.

على الرغم من أن حدّة الخلاف مع بلدان مجلس التعاون الخليجي مفهومة، إلا أنها أقل توقّعاً إلى حد ما. فقد جمعت عناصر كثيرة بين هذه القوى الحاكمة بطرقٍ بدا معها أنه من غير الوارد أن تصل الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد. صحيح أنه لم يكن هناك تعاونٌ يُذكَر بين قادة مجلس التعاون الخليجي في الآونة الأخيرة، لا سيما في مجال التعاطي مع التركيبة السياسية المتحوِّلة في المنطقة. بيد أن الطبيعة المتشابهة عموماً لهيكليات السلطة الخاضعة لكل واحد من حكّام تلك البلدان، تشي بأن لديهم مصلحة مشتركة في تبادل الدعم والمؤازرة. كان ذلك واضحاً إلى حد كبير عندما شاركت البلدان الستّة في مجلس التعاون الخليجي في قوات درع الجزيرة للتدخّل دعماً لملك البحرين خلال احتجاجات الربيع العربي.

في الواقع، كان الخوف يتملّك هذه الأسر الحاكمة من وصول تأثير الدومينو الذي أطلقه الربيع العربي، إلى عقر داها، وسادت هذه المخاوف في شكل خاص في السعودية حيث أبدت تيارات عدة، تاريخياً، معارضتها لآل سعود. كانت الحكومة السعودية متمسّكة جداً بعدم السماح بحدوث خرق في الوضع القائم في شكل عام، إلى درجة أنها تصدّرت الدعوة إلى ضم المغرب والأردن إلى مجلس التعاون الخليجي من أجل ترسيخ قبضة المؤسسات "السيادية" الجماعية في المنطقة.

تحوّلت قطر، في نظر المحور المذكور، من مصدر إزعاج يمكن التحكّم به داخل هذه المؤسسة إلى عائق شديد أمام الخطط المستقبلية لتلك البلدان. وربما بالغ آل ثاني، حكّام قطر، في الثقة بالنفس أيضاً، ظناً منهم أن مناوراتهم السياسية قادرة على الدوام على التخفيف من حدّة التداعيات التي يمكن أن تنجم عن شقّهم للصفوف. وقد ذهب ذلك أبعد من الأدوات السياسية والاقتصادية وتعدّاها إلى هجوم إعلامي وفكري ترك أثراً عميقاً في قنوات التواصل وفي القطاع الأكاديمي في المنطقة.

وهكذا بدا أن السبيل الوحيد لاتخاذ إجراءات جذرية ضد هيكلية سلطة تقليدية هو من خلال ائتلاف يتحرّك بصورة موحّدة. لقد بات لدى كل واحدة من هذه الحكومات اقتناعٌ، على مستوى فردي، بأنه يجب فعل شيء ما، لكنها كانت بحاجة إلى تطمينات بأن ذلك لن يؤثّر في مكانتها العالمية. هنا يأتي دور دونالد ترامب الذي وجّه إلى المعنيين في تلك الحكومات الرسالة الآتية: "افعلوا الأمر وحسب". يحمل أسلوب التحرك ضد قطر البصمات التي تنطبع بها طريقة ترامب في المناورة: كان التحرك فجائياً، وحاداً، ولم يجرِ التفكير ملياً بعواقبه. 

عبر القيام بذلك، يولّد المحور بالضبط السابقة التي حاول تلافيها في ما مضى. فقد كانت هناك قاعدة غير معلَنة بين الأوتوقراطيين العرب، ومفادها أنه لا يجدر بأيٍّ منهم أن يتحدّى بصورة مباشرة سلطة الطرف الآخر. لقد مارست قطر ضمنياً هذا التحدي من خلال وسائل إعلامها، إلا أن قيادتها حافظت على المظاهر التي تدّعي العكس في هيكليات الحكم الأخرى. والآن ولّدت المطالب الموجَّهة إلى قطر لعبة غالب ومغلوب حيث لا بد من أن يخرج فريق ما خاسراً.

إذا وافقت قطر على المطالب – وتجدر الإشارة إلى أنها ستتكبّد أضراراً بالغة في حال خسارتها مكانتها بين أقرانها في مجلس التعاون الخليجي بصورة دائمة – فذلك سوف يسطّر نهاية المشروع الكبير الذي أطلقه الأمير حمد بن خليفة آل ثاني في التسعينيات لجعل بلاده مركز ثقل ديبلوماسي وفكري يتولّى قيادة المساعي الحميدة في المنطقة. أما إذا لم توافق على المطالب، ولم يدعم ترامب مزيداً من التحركات ضدها، فهذا قد يسدّد ضربة إضافية للسعودية وادّعائها التفوق الإقليمي، والذي يعاني أصلاً من تداعيات مساعيها الأخرى، لا سيما الحرب في اليمن.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.