منصور المرزوقي باحث في شؤون السياسة السعودية في كلية العلوم السياسية في ليون. لمتابعته عبر تويتر: 0albogami@

يقف عنصران، غالباً ما يتم تجاهلهما، خلف الأزمة الراهنة في الخليج العربي. فهناك ما أسمّيه عجزاً استراتيجياً بسيكولوجياً يجعل المسؤولين القطريين يشعرون بهشاشة مزمنة، وهذا مبرَّر في جزء منه: فقطر عاجزة، بسبب حجمها الجغرافي، عن امتصاص الصدمات مثل الهجمات العسكرية (المصطلح المستخدَم لتوصيف هذه الحالة هو غياب العمق الاستراتيجي). تعويضاً عن ذلك، تحاول قطر باستمرار، كما أعتقد، إرساء توازن بين معسكرَين: معسكر يلتزم بالمنظومة الإقليمية وآخر تعديلي يضم أفرقاء على غرار إيران والإخوان المسلمين، ويسعى إلى إعادة هيكلة المنظومة الإقليمية، لأن المنظومة الراهنة لا تتناسب مع مصالحه أو رؤيته للعالم.

قطر التي تخضع لنظام ملكي مطلق والتي هي عضو كامل في المنظومة الإقليمية، تستخدم ورقتها الاستراتيجية الوحيدة – أي إمكاناتها المادّية – لبناء شبكة من التحالفات مع أفرقاء يسعون إلى تعديل منظومة المنطقة. الهدف الأساسي هو توليد ديناميكية من الضوابط والتوازنات بين المنظومة الإقليمية والنزعة التعديلية. وقد أوضحت السعودية، من جهتها، منذ آذار/مارس 2014 أنها لن تتقبل تداعيات الممارسات القطرية.

تتدخل إيران في بلدان أخرى تحت رايات مذهبية، معوِّلةً على أفرقاء غير دولتيين، مثل عصائب أهل الحق في العراق، وحزب الله في لبنان، وخلية العبدلي في الكويت، والحوثيين في اليمن. وهي تسعى، من خلال تأكيدها على الهويات المذهبية في المنطقة، إلى تعبئة هؤلاء الأفرقاء غير الدولتيين، ما يتسبّب بتقويض الحكومات المركزية ويمنح اندفاعةً للأهداف التي تسعى طهران عبرها إلى تعديل المنظومة الإقليمية. علاوةً على ذلك، لدى الإخوان المسلمين، الذين حصلوا على جرعة زخم بفعل الربيع العربي، رؤية عن عالم إسلامي موحَّد في ظل قيادة واحدة، وهم يعتبرون أن الأنظمة الملَكية في الخليج العربي تشكّل عائقاً أمام تحقيقها. تعارض المملكة العربية السعودية هذه الرؤية، وتخشى أن تتم الاستعانة بأفرقاء من الداخل السعودي على ارتباط بالإخوان من أجل بلوغ هذا الهدف.

لقد سعت قطر للحصول على مظلة أمنية، وكان لها ما أرادت من خلال الوجود العسكري الأميركي في قاعدة العُديد الجوية. وعمدت إلى تنويع تحالفاتها في قطاع الطاقة استناداً إلى ثروتها في قطاع الغاز كي تقيم مسافة بينها وبين الهيمنة السعودية على النفط. في حين أنه لقطر حضور ناشط داخل مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية، بنت الإمارة في الوقت نفسه علاقة شراكة مع الإخوان المسلمين في مختلف أرجاء المنطقة، بما في ذلك فروع الإخوان في السعودية – فيما اعتبرت نفسها بمأمن من تأثير الجماعة في الداخل بسبب قاعدة العديد العسكرية، ولأنها تضم عدداً قليلاً من السكان الذين تستطيع استرضاءهم بسهولة نسبياً. ومنذ العام 2000 حتى اندلاع الثورة السورية، حافظت قطر أيضاً على تعاون وثيق مع تركيا وإيران، ومع حزب الله ونظام بشار الأسد اللذين يدوران في الفلك الإيراني.

وقد حاولت الرياض وضع حد لهذا التعاون الذي شكّل عائقاً أمامها في أحيان كثيرة. ثم تحوّل السعي القطري خلف التأثير والنفوذ إلى حرب باردة مع السعودية. في العام 2014، كشفت تسجيلات مسرَّبة لاجتماع قديم بين معمر القذافي ومسؤولَين قطريَّين – يُقال إنهما أمير البلاد السابق حمد بن خليفة ووزير خارجيته السابق حمد بن جاسم – عن خطة لإسقاط النظام السعودي وتقسيم المملكة إلى دويلات عدّة. ثم شهدت هذه الحرب الباردة تصعيداً، ما دفع بالسعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين إلى سحب سفرائها من قطر لمدّة ثمانية أشهر في العام 2014. على الرغم من أن قطر وقّعت آنذاك اتفاق الرياض، الذي وافقت بموجبه على أن تنأى بنفسها عن النزعة التعديلية، إلا أنها لم تلتزم به. ومن هنا الأزمة الراهنة حيث الكلمة الأساس هي التعديلية.

تريد المملكة من قطر الكفّ عن مساندة الأفرقاء التعديليين داخل مناطق النفوذ السعودية – أي في اليمن ومصر ودول الخليج العربي. عندئذٍ فقط يمكن أن نشهد على نهاية للأزمة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.