فاطمة الزهراء المالقي، باحثة مستقلة مقيمة في واشنطن. لمتابعتها عبر تويتر: fzelmalki@

قبل لحظات من التصويت على الثقة الذي أدّى إلى تثبيت تعيين يوسف الشاهد رئيساً للحكومة في آب/أغسطس 2016، وضع الأخير خطة اقتصادية وأمنية ممتدة لثلاثة أعوام، مشدّداً على أن "الشفافية والمساءلة أمام الشعب التونسي" ستكونان ركيزتَي ولايته في رئاسة الوزراء. لقد اتّهم الشاهد أسلافه بتأمين حمايات مؤسسية للفساد على أعلى المستويات، والتساهل مع المتورّطين، مقدِّماً نفسه في صورة رأس الحربة في استراتيجية تونسية جديدة الهدف منها القضاء على الفساد في مختلف المستويات المجتمعية.

خلال العام المنصرم، أطلق الشاهد إصلاحات قانونية ومؤسسية لمعالجة جوهر المسألة، بدءاً من توسيع موازنة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد للعام 2017. الهيئة هي جهاز مستقل مهمته "منع" الفساد "واكتشافه والتحقيق" في قضايا الفساد في القطاعَين الرسمي والخاص. وقد كان الشاهد، إلى جانب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، شوقي طبيب، رأس الحربة وراء القانون الجديد للإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين عنه الذي أقرّه مجلس النواب بالإجماع في شباط/فبراير 2017. لقد أدّى القانون، الذي يسعى تحديداً إلى كبح الفساد عبر حماية المبلّغين، إلى إطلاق "عملية الأيادي النظيفة"، وهي عبارة عن حملة واسعة من الإجراءات التي تطال رجال أعمال وشخصيات تونسية مرموقة منذ أيار/مايو الماضي. ويستهدف جزء كبير من الجهود الحكومية تحديداً موظّفي الجمارك وطرقات التهريب – ومن هذه التدابير إقالة مسؤولين في ميناء رادس وإحالة آخرين إلى المجلس التأديبي – والهدف منها هو معالجة قضية القطاع غير النظامي الواسع، وشبكات التهريب المتنامية.

في حين يرى البعض في سياسة الشاهد إعادة إحياء لإجراءات مكافحة الفساد على المستوى الوطني، يؤكّد المشكّكون أن حسن النية لدى الحكومة ليس كافياً لوقف الانتهاكات بصورة فعالة. هذا فضلاً عن أن الجهود الموازية – لا سيما مشروع قانون المصالحة الاقتصادية – تتسبب بتقويض استراتيجية مكافحة الفساد في تونس والمحاولات التي تُبذَل للحؤول دون العودة إلى الزبائنية والكلبتوقراطية.

في تناقض صارخ مع قانون مكافحة الفساد، أقرّ البرلمان، في 19 تموز/يوليو، سبع مواد في مشروع قانون المصالحة الاقتصادية المثير للجدل، الذي خضع لمراجعات عدة – ويلقى معارضة شديدة من مجموعات المجتمع الأهلي والجمهور الأوسع. هذا القانون، الذي أصبح اسمه الجديد قانون المصالحة الإدارية، هو الخطة التي وضعها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لمنح العفو لموظفي الخدمة المدنية والمسؤولين الحكوميين المتّهَمين بسرقة الأموال العامة في عهد زين العابدين بن علي، وإنهاء المحاكمات بحقهم. لقد انتقد محمد عبو، الوزير السابق المكلف بالإصلاح الإداري، القانون قائلاً بأنه يمنح حصانة غير دستورية للأشخاص الذين موّلوا الحملة الرئاسية في العام 2014، محذّراً من أنه قد يؤدّي إلى اندلاع ثورة جديدة. بالنسبة إلى حملة "مانيش مسامح" وتيارات أخرى في المجتمع المدني، هذا القانون هو بمثابة ترخيص للفساد على أعلى المستويات. كما أنه يقوّض الجهود الأخرى الهادفة إلى تطبيق أحكام العدالة الانتقالية التي تنص على وجوب محاكمة الأشخاص المتهمين بالفساد في عهد بن علي، ومصادرة الدولة للمقتنيات التي حصلوا عليها عن طريق السرقة.

أمام تونس المصنَّفة في المرتبة 75 من أصل 176 في مؤشّر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية للعام 2016، طريق طويل كي تقطعه قبل أن تنجح فعلاً في ترسيخ الإنجازات التي تحققت في إطار عملية الانتقال الديمقراطي. أولاً، ينبغي على تونس أن تصغي إلى مواطنيها وتأخذ في الاعتبار التوصيات في الميدان العام. ثانياً، يتعيّن على الدولة أن تعتمد استراتيجية سليمة ومتماسكة لا تتعارض مع آليات العدالة الانتقالية المعمول بها حالياً، بل تصب في إطار تعزيزها بالتنسيق مع جميع فروع الحكومة والمجتمع المدني.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.