نادية ناصر نجاب زميلة أبحاث في المركز الاوروبي لدراسات فلسطين في جامعة  اكسيتر.

خلال الأعوام المئة التي انقضت منذ إعلان بلفور، عومِل الفلسطينيون تكراراً وكأنهم طارئون وغير ذي صلة أو حتى عنصر إزعاج – فمفهوم "المشكلة" الفلسطينية بحد ذاته يوحي أن هناك قوة عظمى مغتاظة مضطرة إلى النزول عن عرشها العالي. واعتراف ترامب مؤخراً بالقدس عاصمة لإسرائيل هو التجلّي الأحدث عهداً لهذه الذهنية.

لعله أمرٌ محتوم أن يركّز الجزء الأكبر من النقاش الدائر راهناً على ترامب، نظراً إلى الدعاية الذاتية التي يمارسها بنفسه. تدفعنا نبرة الغضب المبرّر التي رافقت القرار، إلى الاعتقاد بأنه ضلّ بطريقة ما عن السبيل القويم لممارسات الدولة الأميركية. يتّهم المراقبون ترامب بأنه خرقَ في شكل أساسي المبدأ الذي تقوم عليه عملية السلام، إلا أنه لا يمكن الأخذ بهذه التهمة. فاتفاقات أوسلو تعرّضت، منذ إبرامها، للخرق والتقييد بدرجات مختلفة من القوة. وعند تطبيقها، كانت بمثابة دراسة حالة حقيقية عن فرض الوقائع بطريقة أحادية.

لا يُعفي ذلك ترامب من المسؤولية المترتبة عن الخطوة الشديدة الخطورة التي أقدم عليها. لكن، في السياق الاستعماري الأوسع، يبدو قرار ترامب الاستكمال المنطقي للذهنية التي تنظر إلى فلسطين بأنها "أرض من دون شعب لشعب من دون أرض"، ما أدّى إلى إقرار قانون أملاك الغائبين الذي استُخدِم في العام 1967 لتبرير ضم القدس الشرقية، وحوّل بين ليلة وضحاياها الفلسطينيين الذين عاشوا في القدس لأجيال إلى "مقيمين".

الأشخاص الذين أقرّوا هذه السياسات لم يكونوا ديماغوجيين متشدّدين على غرار دونالد ترامب أو مناحيم بيغن أو بنيامين نتنياهو، بل كانوا ممارسي "الاحتلال المستنير" (بحسب تعبير موشيه دايان). لقد تحدّث ترامب، في إطار سعيه إلى تبرير أفعاله، عن مكانة إسرائيل كديمقراطية راسخة والتزامها بالتقاليد الليبرالية (مثل حرية التعبير). بالطبع، يتغاضى ذلك عن واقع أن إسرائيل تجمع، إلى جانب أمثلة تاريخية أخرى عن الاستعمار، بين المكوّنات التقدّمية والرجعية.

يبدو إذاً أن الزمرة المتنوّعة من رجال الدولة والدبلوماسيين والصحافيين الذين انتقدوا إعلان ترامب، تعترض في شكل أساسي على الأسلوب المتّبع الذي يجسّد، كما هو الحال مع جوانب أخرى في رئاسته، قطيعة فجائية مع البروتوكولات والتدابير المرعية الإجراء. إنما غنيٌّ عن القول بأن غضبهم كان مكظوماً إلى حد كبير، لا بل غائباً بالكامل عندما مورِست القوة الاستعمارية في التفاصيل الصغيرة، وبخفّةٍ ودهاء أكبر.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.